التمييز بين القضاء التجاري والمدني

0 commentaires

 التمييز بين القضاء التجاري والمدني
من الثابت أن القانون التجاري فرع من فروع القانون الخاص شأنه في ذلك شأن القانون المدني إلى جوار الفروع الأخرى كقانون العمل والقانون البحري وإذا كان القانون المدني ينظم أساسا كافة العلاقات بين مختلف الأفراد دون تمييز بين نوع التصرف أو صفة القائم به أي قانونا عاما، فإن القانون التجاري ينظم فقط علاقات معينة هي العلاقات التجارية وقد أدى إلى ظهور هذا النوع من القواعد القانونية الظروف الاقتصادية والضرورات العملية التي استلزمت خضوع طائفة معينة من الأشخاص هم التجار، ونوع معين من المعاملات هي الأعمال التجارية، لتنظيم قانوني يتميز عن ذلك الذي يطبق على المعاملات المدنية حيث عجزت القواعد المدنية عن تنظيم المعاملات التجارية التي قوامها السرعة من جهة والثقة والائتمان من جهة أخرى.
وقد انعكست طبيعة البيئة التجارية التي تتطلب السرعة والثقة في وقت واحد  على طبيعة العقود التي تجرى في مجال التجارة فهي تختلف كل الاختلاف عن تلك التي تجرى في البيئة المدنية، ذلك أن الصفقات التي يبرمها التاجر لا تكون بقصد الاستعمال الشخصي أو بقصد الاحتفاظ بها وإنما لإعادة بيعها لتحقيق ربح من فروق الأسعار كما وأن مثل هذه الصفقات تعقد كل يوم مرات ومرات بالنسبة لكل تاجر وهو يبرمها بأسلوب سريع.
وقد ظهرت عبر السنين عادات وتقاليد معينة التزمت بها طائفة من التجار في معاملاتهم التجارية، تختلف عن تلك القواعد التي تنظم المعاملات المدنية واضطر واضع النظام إلى تقنين هذه العادات التجارية في مجموعات خاصة بالتجارة والتجار وظلت هذه القواعد الجديدة تزداد شيئا فشيئا حتى أصبح لها كيان مستقل.
على أننا نجد من جانب آخر أن القانون التجاري ترك أثره في القانون المدني ويتمثل في عدة حالات منها اعتبار الشركات التي تأخذ الشكل التجاري شركات تجارية تخضع للقانون التجاري أيا كان موضوع نشاطها كما قد يقرر واضع النظام اكتساب الشركة لصفة التاجر بصرف النظر عن طبيعة نشاطها سواء كان موضوع نشاطها تجاريا أو مدنيا .
اولاـ المناداة بوحدة القضاء
نظرا للصلة الوثيقة بين أحكام القانونين التجاري والمدني ظهر اتجاه في الفقه القانوني ينادي بإدماجهما معا في قانون واحد يطبق على جميع الأفراد وفي جميع المعاملات دون تفرقة بين عمل مدني أو تجاري أو بين تاجر وغير تاجر وذلك بفرض الوصول إلى ما يسمى بوحدة القانون الخاص.
ويطالب أنصار هذا الرأي بسريان قواعد القانون التجاري من سرعة وبساطة، في الإجراءات على قواعد القانون المدني كلما اقتضى الأمر ذلك حتى يفيد من ذلك التاجر وغير التاجر كما أنه إذا كانت إجراءات القانون المدني بها بعض القيود والشكليات في تصرفات معينة أو عقود خاصة نظرا لأهميتها فإنه يمكن فرض هذه القيود والشكليات في تصرفات التجارية الهامة حتى تستقر بشأنها المنازعات.
ويرى أنصار هذا الرأي أن القانون التجاري باعتباره قانون الأعمال في عصرنا هذا إنما يتضمن في الواقع النظرية العامة في الأموال والالتزامات التي تطبق على جميع التصرفات التي تجرى بين الأفراد العاديين وبين من يساهمون في الحياة الاقتصادية بصفة عامة.
ولقد أخذت بعض البلاد بهذا الاتجاه كما هو الحال في الولايات المتحدة وإنجلترا وسويسرا وإيطاليا حيث استطاعت معظم هذه البلاد إدخال العناصر والصفات التجارية للقانون المدني ومثال ذلك القانون المدني الإيطالي الصادر عام 1942 الذي رد القانون التجاري إلى حظيرة القانون المدني فألغى مجموعة القانون التجاري وأدمج موضوعاتها في مجموعة القانون المدني.
والواقع أنه ما من شك في أن لكل من القانون المدني والتجاري مجاله وأن في إدماجهما في قانون واحد لا يتناسب مع طبيعة معاملات كل منهما، بل أن فيه إنكار للواقع على أن استقلال القانون التجاري لا يعني إنكار الصلة الوثيقة بينه وبين القانون المدني، إذ قد يعتمد القانون التجاري على بعض أحكام القانون المدني اعتمادا كليا ويكتفي بالإحالة عليها ويؤدي هذا إلى اعتبار القانون المدني الأصل العام الذي يرجع إليه كمصدر من مصادر القانون التجاري.


ثانيـا: استقلال القانون التجاري بقضاء مستقل:
إن فكرة المناداة بتوحيد أحكام القانون التجاري مع القانون المدني وإن كانت تعد منطقية في ظاهرها إلا أنها تخالف في جوهرها حقيقة الأوضاع والضرورات العملية فما من شك أن المعاملات التجارية لها لما يميزها عن المعاملات المدنية مما يستتبع وضع نظام خاص بها فطبيعة المعاملات التجارية تقتضي السرعة وسهولة الإجراءات.
وليس من المفيد أن تنتقل هذه التسهيلات إلى الحياة المدنية التي تتسم بطابع الاستقرار والتروي وذلك أن من شأن تعميم هذه السرعة في الإجراءات زيادة المنازعات وعدم استقرار التعامل بين المدنيين وصعوبة الإثبات أمام القضاء وخاصة أن مسك الدفاتر أمر لا يلتزم به سوى التجار، كما وأن المناداة بنقل بعض الإجراءات الرسمية والشكلية المدنية إلى العقود التجارية أمر يؤدي في الواقع إلى عرقلة التجارة مهما بلغت أهمية عقودها أو ضخامتها. كما أن تشجيع المدنيون على التعامل بالأوراق التجارية خاصة الكمبيالات منها من شأنه أن يدفع بهذه الطائفة من الأفراد في مجالات لا شأن لها بها.
ويلاحظ أن البلاد التي أخذت بتوحيد كلا القانونين لم تستطع إدماجها إدماجا كليا، حيث ظلت فيها بعض الأحكام والقواعد المستقلة التي تنفرد بها المعاملات التجارية وطائفة التجار كما هو الحال في بلاد الأنجلوسكونية ومن الأمثلة على ذلك إنجلترا حيث أصبحت النظم التجارية منفصلة عن مجموع القانون الخاص مثل قانون بيع البضائع وقانون الإفلاس وقانون الشركات، وكذلك الحال في القانون السويسري الذي وضع كل منها بعض النظم الخاصة بالتجارة والتجار مثل مسك الدفاتر التجارية والإفلاس.
إن للقانون التجاري أصالته في عدة موضوعات لا نجد لها سندا إلا بالمجموعة التجارية مثل تنظيم الإفلاس التجاري والأوراق التجارية وعمليات البنوك خاصة ما يتعلق منها بالحساب الجاري وخطابات الضمان والتحويل المصرفي التي نشأت نتيجة المقتضيات العملية واقرها القضاء التجاري                      .


التأديب في مدونة الشغل

2 commentaires




مقدمــــــــــــة

إن الحق في الشغل ضرورة من ضرورات الحياة و عاملا أساسيا في تنمية الشعوب و وسيلة مشروعة للحصول على مقابل مادي لتوفير الحاجيات الضرورية للأجير و أسرته، لهذا دأبت مختلف التشريعات و الدساتير و المواثيق الدولية على التنصيص عليه.

فعلاقة الشغل التي تربط المشغل و الأجير في إطار القانون الخاص تختلف عما هي عليه في إطار القانون العام بين الإدارة و الموظف، فهذا الأخير تربطه بالإدارة علاقة نظامية أساسها النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، أما الأول فتربطه بالمشغل علاقة تعاقدية يكون أساسها العقد، إتباعا لقاعدة "العقد شريعة المتعاقدين"، لكن نظرا للوضعية اللامتكافئة التي تطبع عقد الشغل بين مشغل يملك النفوذ المادي و الاجتماعي و بين أجراء مستعدين لتقديم كل ما يملكون من أجل ضمان العيش، تدخل المشرع لحماية هذه الفئة بمقتضى مدونة الشغل الجديدة، خصوصا فيما يتعلق بالجانب التأديبي موضوع دراستنا، و انسجاما مع المطالب الدولية خصوصا منظمة العمل الدولية
"AMNESTY international" .

لأجل ذلك عمل المشرع المغربي على تكييف النظام القانوني المغربي الخاص بالشغل مع التشريعات المقارنة، من أجل الحفاظ على التوازنات الاقتصادية و الاجتماعية، على اعتبار أن القطاع الخاص يشمل فئة عريضة من المجتمع، مما يستدعي التدخل من أجل ضبط العلاقة ما بين المشغل و الأجير.

و تتجلى لنا أهمية الموضوع من خلال جانبين، الأول ينطلق من قناعات شخصية تتجلى في كون تأديب الأجير يشكل أحد الإشكاليات التي تستدعي البحث فيها من أجل الوقوف على الضمانات التي يقدمها المشرع المغربي في المجال الاجتماعي.

أما الجانب الثاني فهو موضوعي علمي يتمثل في مساهمة متواضعة من خلال الدراسة و التحليل لكافة جوانب الموضوع و وصولا إلى الخلاصات و الاستنتاجات.

و لمعالجة موضوعنا هذا ارتأينا الإحاطة به من خلال عناصر مضمونه و هدفه و المتعلق أساسا بتحقيق المحاكمة العادلة في تأديب الأجراء، وهي الإشكالية التي سوف نقوم بمقاربتها من خلال الوقوف على النظام التأديبي في مدونة الشغل (المبحث الأول) و ذلك قصد الاطلاع على الأخطاء المحددة للعقوبة التأديبية و على أساس معرفة السلطة التي تتخذ العقوبة التأديبية، هذا من جانب، و من جانب أخر أن تأديب الأجير يتطلب توفر مجموعة من الضمانات القانونية التي تميز المرحلتين الإدارية و القضائية (المبحث الثاني).

المبحث الأول: نظام التأديب في مدونة الشغل

سوف نتعرض في هذا المبحث إلى الأخطاء المحركة للعقوبة التأديبية و أنواع العقوبات التي من الممكن أن يتعرض لها الأجراء و ذلك ضمن المطلب الأول، و سلطة المشغل في اتخاذ العقوبة التأديبية من خلال التعرف على مصادر هذه السلطة و نطاق تطبيقها ضمن المطلب الثاني.شئ

المطلب الأول: الأخطاء المحركة للعقوبة التأديبية

إن مضمون التبعية القانونية التي تحكم علاقة الشغل و الأجير تعني خضوع هذا الأخير للسلطة التنظيمية و التأديبية، لكن سلطة المشغل في فرض الجزاءات مقيدة بما هو وارد في لائحة الجزاءات عند وجودها، و كذلك بالقيود القانونية التي ينصص عليها القانون، و لمقاربة هذا المطلب ارتأينا التطرق إلى تحديد الخطأ التأديبي ضمن الفقرة الأولى على أساس مناقشة أنواع العقوبات التأديبية ضمن الفقرة الثانية.

الفقرة الأولى: تحديد الخطأ التأديبي

يمكن تعريف الخطأ الموجب للعقوبة التأديبية بأنه كل خطأ يرتكب داخل المؤسسة أو حتى خارجها و الذي يترتب عنه مسؤولية الأجير تجاه مشغله و بالتالي قد تتسبب له في الطرد و الذي يكون غالبا نتيجة القيام بعمل أو امتناع عن عمل و يشكل إخلالا من الأجير بأحد التزاماته الملقاة علي عاتقه في إطار عقد الشغل أم قد تتسبب للأجير في عقوبات أقل وقعا كالإنذار أو التوبيخ... الخ.

و يميز المشرع في تصنيفه للخطأ بين الخطأ الجسيم و الخطأ غير الجسيم:

فبالنسبة للخطأ غير الجسيم لم يعطي المشرع المغربي كغيره من التشريعات تعريفا محدد له و إن كان قد حدد آثاره على مستوى العقوبة الواجبة التطبيق على الأجير المرتكب لذلك الخطأ، و من ثمة فان وجود الخطأ غير الجسيم المبيح لتأديب الأجير مسألة تندرج ضمن السلطة التقديرية لمحاكم الموضوع.

أما بالنسبة للخطأ الجسيم، فالمشرع المغربي كذلك لم يتعرض لتعريف محدد له، و إن كان قد أورد أمثلة عنه في المادة 39 من مدونة الشغل و التي تستوجب عقوبة الفصل.

وقد عرفت محكمة النقض الفرنسية الخطأ الجسيم بأنه الخطأ الذي يجعل من المستحيل استمرار علاقة العمل بين المشغل و الأجير المخطئ.

وبالرجوع إلى مضمون المادة 39 من مدونة الشغل، يلاحظ أن المشرع قد استغنى عن بعض الأخطاء الجسيمة كانعدام الكفاءة و جاء بأخرى لم يكن منصوصا عليها من قبل، مثل التحريض على الفساد والتغيب غير المبرر...الخ.

كما يلاحظ أيضا أن المشرع ميز بين الأخطاء التي ترتكب داخل المؤسسة وتلك التي ترتكب خارجها، و سوف تتعرض لأمثلة من هذه العقوبات

1- الأخطاء الجسيمة المرتكبة خارج المؤسسة.

أ-ارتكاب جنحة ماسة بالشرف أو الأمانة أو الآداب العامة صدر بشأنها حكم نهائي سالب للحرية

من اجل الوقوف على الجنح الماسة بالشرف أو الأمانة أو الآداب العامة لابد من الرجوع إلى المدونة الجنائية و انطلاقا من مقتضياتها نقرر السرقة و خيانة الأمانة والنصب هي جرائم تمس بالشرف و بالأمانة و نقرر أن الفساد و أفعال الشدود الجنسي هي جرائم مخلة بالآداب العامة السائدة داخل المجتمع المغربي المسلم .

و يجب لكي تعتبر الجنحة المرتكبة خطأ جسيم يبرر طرد الأجير أن يصدر بشأنها حكم نهائي و هدا الأخير هو الحكم الذي لا يقبل طرق الطعن سواء عادية أو الغير عادية .

ب-إفشاء سر مهني نتج عنه ضرر للمقاولة :

بنص الفصل 447 من القانون الجنائي على ما يلي " كل مدير أو مساعد أو عامل في مصنع إدا أفشى أو حاول إفشاء أسرار المصنع الذي يعمل به سواء كان دلك الإفشاء إلى أجنبي ا والى مغربي مقيم في بلد أجنبي يعاقب بالحبس من سنتين إلى خمس سنوات و غرامة من مائتين الى عشرة الآلاف درهم إدا أفشى هده الأسرار إلى مغربي مقيم في المغرب فعقوبته الحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين و غرامة من مائتين إلى مائتين و خمسين درهما ".

رغم أن المشرع المغربي فد عاقب جنائيا على إفشاء الأسرار بواسطة الفصل 447 ق.ج فإنه لم يشترط في هده الحالة متابعة الأجير أمام القضاء الزجري و إصدار حكم نهائي عليه كما فعل بالنسبة للحالة السابقة و إنما يكفي للمشغل لكي يفصل الأجير بسبب ارتكابه لخطا جسيم أن يتب ثان هدا الأخير قد أفشى إلى الغير سرا مهنيا يتعلق بالشغل و إن هدا الإفشاء قد تضررت منه المقاولة خلافا لما قرره النص الجنائي الذي جاء مطلقا .

2- الأخطاء الجسيمة المرتكبة داخل المؤسسة أو أثناء الشغل.

ا-السرقة :

في هده الحالة للمشغل أن يثبت الركن المادي لفعل السرقة التي تمي داخل المؤسسة ولو لم يكن هناك متابعة جنائية و له أن يعتمد في دلك كافة الوسائل الإثبات لأن الأمر يتعلق بواقعة مادية .

و إدا صدر الحكم بالإدانة على الأجير في الموضوع فإن هدا الحكم يعتبر حجة كافية تعتمد أمام القضاء الاجتماعي من أجل تبريرا لفصل بسبب ارتكاب خطأ جسيم يبرر الفصل من المؤسسة .

ب-خيانة الأمانة .

يقصد بها أن يختلس الأجير أو يبدد بسوء نية إضرارا بالمشغل أمتعة أو نقود أو بضائع أو سندات...
إن قيام الأجير بهدا الفعل الغير الأخلاقي يترتب عنه فصله من المقاولة لأن هدا الفعل المرتكب هو فعل كيفه المشرع بالجريمة المعاقب عليها جنائيا قبل تكييفه بالخطأ الجسيم في المادة الاجتماعية الدي يرتب كل أثاره بعد تبوثه ولو لم تكن هناك متابعة جنائية في الموضوع.

ج-السكر العلني و تعاطي المخدرات .

السكر حالة غير طبيعية تنتج عادة عن تناول الخمر و هو عبارة عن وضع يفقد الأجير معه قواه العقلية و توازن جسده فيتلفظ بأقوال و يقوم بأفعال تخل بالنظام و الاستقرار داخل المؤسسة.

فالمشرع لم يشر في النظام النموذجي الملغى إلى تعاطي المخدرات لأن هده الظاهرة لم تكن متفشية كما هو الحال اليوم .

ويمكن القول إلى أن السكر العلني بالإضافة انه يمثل خطأ جسيم في مجالنا هدا فهو معاقب عليه بنص جنائي .

د-الاعتداء بالضرب و السب الفادح.

المقصود هنا أن يعتدي الأجير بالضرب على أي شخص أخر يوجد داخل المقاولة قد يكون أجير أخر أو المشغل نفسه أو احد نوابه أو احد الزبائن ما دام أن القاعدة أعلاه جاءت مطلقة لم تحدد المعتدى عليه .

ففي حالة تبادل الضرب مع أجير أخر فإن الخطأ الجسيم لا يمكن أن ينسب إلا إلى المتسبب أو البادئ أما الأجير الأخر الذي كان في حالة دفاع عن النفس فلا يمكن أن تكييف مشاركته في الضرب بالخطأ الجسيم الموجب للفصل.

أما السبب الفادح هو توجيه إهانة تحط من الكرامة إلى شخص ما داخل المقاولة و هو فعل معاقب عليه سواء في المجموعة الجنائية أو في قانون الصحافة .

و-التغييب بدون مبرر لأكتر من أربعة أو ثمانية أنصاف يوم خلال أثنى عشر شهرا

يجب على الأجير إن يقوم بالشغل المطلوب منه قانونيا أو إتفاقيا فقط خلال الوقت المحدد في العقد و إلا خلال الوقت الذي حدده المشرع أو يقضي به العرف السائد في المهنة .

وقد حدد المشرع ساعات الشغل اليومية أو الأسبوعية كما حدد مختلف العطل المؤدى عنها الأجر .

فلا يمكن للأجير أن يتغيب عن العمل الذي كان له مبرر مقبول .

ومن باب المبرر المقبول كإصابة الأجير بحادث شغل أو مرض مهني أو عادي مبرر بشهادة طبية صادرة عن طبيب مختص .

ولقد نصت المادة 39 م.ش انه يعد خطأ جسيما ادا تغيب الأجير عن العمل لأكثر من أربعة أيام أو ثمانية إنصاف اليوم داخل اثنتي عشر شهرا .
و عليه فإن التغييب لأقل من المدة المشار إليها لا يعدا خطأ جسيما .

ز-إلحاق ضرر جسيم بالتجهيزات أو الآلات أو المواد الأولية عمدا أو نتيجة إهمال فادح.

من خلال المادة 22 م.ش و الفصلين 740و741 من ق.ل.ع يتضح انه من القواعد العامة التي تحرم الإضرار بالغير بشأن ما يوضع تحت يد الأجير داخل المقاولة و حتى خارجها من أشياء في ملكية المشغل يجب عليه أن يحافظ عليها كما يحافظ على الأشياء التي يملكها, فيده هنا يد أمانة و الأمانة لا يمكن خيانتها.

كما قرر المشرع في المادة 39 م.ش إن إخلال الأجير بالالتزام بالمحافظة على التجهيزات أو الآلات أو المواد الأولية هو خطأ جسيم بشرط أن يترتب على هدا الإخلال ضرر جسيم و أن يكون دلك الإخلال قد كان نتيجة فعل عمدي أو نتيجة إهمال فادح .

خ-ارتكاب خطأ نشأت عنه خسارة مادية جسيمة.

بخلاف الأخطاء السابقة التي تعتبر جسيمة بنص في القانون فإن المعتبر في هده الحالة بالذات هو النتيجة المترتبة على الخطأ و الممثلة في إحداث ضرر جسيم للمشغل بغض النظر عن طبيعة دلك الخطأ هل هو جسيم أم يسير فالمناط هو جسامة الضرر لا جسامة الخطأ.

فهو يتعارض مع توجه المشرع الذي يعتدي في مجال الفصل بالخطأ الجسيم المرتكب من جانب الأجير ولو لم يترتب على دلك ضرر بالنسبة للمشغل أو المقاولة.

ط- عدم مراعىات التعليمات اللازم إتباعها لحفظ السلامة في الشغل و سلامة المؤسسة ترتب عنه خسارة جسيمة .

هناك العديد من المؤسسات الصناعية التي تمارس أنشطة خطيرة أو على الأقل تستخدم مواد أو على الأقل تستخدم مواد أو تستفيد من الآلات خطيرة على صحة وسلامة من يوجد داخلها و أحيانا حتى خارجها ومن هده الناحية كثيرا ما تعطي للأجراء في بعض المؤسسات الصناعية تعليمات صارمة يجب أن يلتزموا بها حفاظا على سلامتهم و على سلامة الغير .

من ابرز خصائص حوادث الشغل التي يحكمها ظهير 6 فبراير 1963 إن الخطأ الجسيم لا يمنع الأجير المصاب من الحصول على تعويض .دلك أن المشرع اقتصر على منح المحكمة سلطة تقديرية تسمح لها بتخفيض التعويض لا غير .

ي-التحريض على الفساد .

يعتبر تخليق المقاولة من القواعد التي راهنت عليها مدونة الشغل و هكذا فلقد نصت المادة 21من م.ش على انه يجب على الأجير أن يمتثل للنصوص المنظمة لأخلاقيات المهنة وكذلك جاءت المادة 24 من م.ش تنص على انه يجن مراعاة حسن السلوك و الأخلاق الحميدة أن يسهر على أن تسود الآداب العامة داخل المقاولة .

وتحقيقا لهده الغاية قرر المشرع أن التحريض على الفساد هو خطا جسيم سواء بالنسبة للأجير (م39 م.ش) أو المشغل (م40 م.ش)

و هكذا فقد اعتبر المشرع التحريض على الفساد داخل مقر الشغل خطأ جسيما دون ربطه بأي شرط أخر.

ك-استعمال أي نوع من أنواع العنف و الاعتداء البدني الموجب ضد الأجير أو المشغل أو من ينوب عنه لعرقلة سير المقاولة .

سبق للمشرع أن اعتبر في إطار تعداد الأخطاء الجسيمة المضمن بالمادة 39 من م.ش إن مجرد الاعتداء بالضرب على أيا كان داخل المقاولة يعد خطأ جسيما يبرر فصل الأجير .

وقد عاد المشرع ثانية فقرر أن استعمال أي نوع من أنواع العنف و الاعتداء البدني الموجه ضد أجير أخر أو المشغل أو من ينوب عنه لعرقلة سير المقاولة يعد خطأ جسيم يبرر فصل الأجير الذي ارتكب الفعل بشرط أن يقوم مفتش الشغل بمعاينة عرقلة سير المؤسسة و تحرير محضر بشأن دلك.

إن الاستعانة بمفتش الشغل في هده الحالة الخاصة بالذات إنما ترمي إلى حماية الأجراء الذي قد يكونون ضحايا الادعاءات الكاذبة مع العلم أن خرق هدا الأجراء يجعل الفصل غير مشروع.

الفقرة الثانية : أنواع العقوبات التأديبية

لقد تطرقت مدونة الشغل إلى العقوبات التأديبية في المادة 37 و التي تنص "يمكن للمشغل اتخاذ إحدى العقوبات التأديبية التالية في حق الأجير لارتكابه خطأ غير جسيم.

أ-الإنذار : إن الإنذار هز اخف العقوبات التأديبية التي يمكن للمشغل إيقاعها من ضمن سلطاته,وهو إجراء تأديبي يقصد منه تنبيه الأجير إلى المخالفات التي ارتكبها وتهديده بتوقيع عقوبة اشد في حالة يكرر نفس المخالفة’.

غير انه من باب احترام حقوق الأجراء في التأديب إن يتم الإنذار بشكل كتابي و غير شفوي لأن في هده الحالة الأخيرة يقع عبئ الإتباث على المشغل و هو نفس الاتجاه الذي صار معه المشرع الأردني في المادة 28 من قانون العمل الأردني لسنة 2003,

ب-التوبيخ : هو عقوبة اشد من الإندار يوقعه المشغل على الأجير و يعتبر مظهر من المظاهر البارزة لرابطة التبعية التي تربط المشغل بالأجير و تكشف عما للمشغل من حق الرقابة و الإشراف على الأجير فيما يتعلق بأداء عمله و بالتالي فإن مضمون الجزاء هو زجر الأجير المرتكب للخطأ من جهة و إلى حفظ النظام في المؤسسة و ضمان سير العمل من جهة ثانية.

ج-التوبيخ الثاني أو التوقف عن الشغل لمدة لا تتعدى 8 أيام : هو عقوبة يوقعها المشغل على الأجير ادا ارتكب خطأ غير جسيم و يمكن أن تكون على شكل توبيخ ثاني بعد أن توصل لتوبيخ أول ا وان يوقع المشغل توقيفا مؤقتا عن ممارسة العمل مع حرمانه من الأجر خلالها بسبب المخالفة التي وقعت منه, و عقوبة التوقف عن الشغل حددها المشرع في الفصل 37 من مدونة الشغل و أجازت لدلك مدة لا تتعدى ثمانية أيام عن المخالفة الواحدة فلا ينبغي توقيف الأجير لمدة مفتوحة
.
د-التوبيخ الثالث أو النقل إلى مصلحة أو مؤسسة أخرى عند الاقتضاء مع مراعاة سكنى الأجير : في هده الحالة فإن المشرع قد وضع للأجير حماية في حالة توقيع العقوبات التأديبية المتمثل في نقله على المشغل ان يراعي سكنى الأجير حتى لا يحصل له ضرر من جراء الجزاء التأديبي هدا وقد أكد المشرع الحماية في الفقرة الأخيرة من الفصل ألمدكور و دلك بتمتيع الأجير بحقه في الدفاع عن نفسه بالاستماع إليه من طرف المشغل أو من ينوب عليه بحضور مندوب العمال أو الممثل النقابي بالمؤسسة الذي يختاره الأجير بنفسه و دلك داخل اجل لا يتعدى 8 أيام ابتدءا من التاريخ الذي تبين فيه ارتكاب الفعل المنسوب إليه و لقد أكد المشرع في المادة 38 من مدونة الشغل انه على المشغل أن يتبع مبدأ التدرج في العقوبة و إمكانية المشغل بعد استنفاد هده العقوبات داخل السنة أن يقوم بفصل الأجير و يعتبر في هده الحالة فصلا مبررا.

أما فيما يخص التنقل من مصلحة إلى أخرى أو من مؤسسة إلى أخرى فهده العقوبة تدخل في الرتبة الرابعة و هي تمس الأجير في تغييره من جهة إلى أخرى وهي من السلطات القيادية للمؤاجر التي تجد أساسها في إخلال الأجير بالالتزامات أو مخالفته أوامر رؤسائه إلا أن هده القيادة يجب أن تكون في صدد القانون و الحقوق الأساسية للأجير .

أما فيما يخص العقوبات التأديبية المترتبة عن ارتكاب الأجير لخطأ جسيم فلقد جاءت المادة 39 من مدونة الشغل على ما يلي " يعتبر بمثابة أخطاء جسيمة يمكن إن تؤدي إلى الفصل وهي الأخطاء ا لتالية المرتكبة من طرف الأجير.

-ارتكاب جنحة ماسة بالشرف أو الأمانة أو الآداب العامة صدر بشأنها حكم نهائي وسالب للحرية
-إفشاء سر مهني نتج عنه ضرر للمقاولة
ارتكاب الأفعال التالية داخل المؤسسة أثناء الشغل
-السرقة
-خيانة الأمانة
-السكر العلني
-الاعتداء بالضرب
-السب الفادح
-رفض انجاز شغل من اختصاصه عمدا و بدون مبرر
-التغييب بدون مبرر لأكثر من أربعة أيام أو ثمانية أنصاف يوم خلال الاثنى عشر شهرا
-إلحاق ضرر جسيم بالتجهيزات أو الآلات أو المواد الأولية عمدا أو نتيجة إهمال فادح
-ارتكاب خطأ نشأة عنه خسارة مادية جسيمة للمشغل
-عدم مراعاة التعليمات ألازم إتباعها لحفظ السلامة في الشغل و سلامة المؤسسة ترتب عنها خسارة جسيمة
-التحريض على الفساد
-استعمال أي نوع من أنواع العنف و الاعتداء البدني الموجه ضد أجير أو مشغل أو من ينوب عنه لعرقلة سير المقاولة
في هده الحالة الأخيرة يقوم مفتش الشغل بمعاينة عرقلة سير المؤسسة و تحرير محضر بشأنها

المطلب الثاني:سلطة المشغل في اتخاذ العقوبة التأديبية و نطاق تطبيقها

إن الإحاطة بهذا المطلب يتطلب التركيز على السلطة التأديبية للمشغل(الفقرة الأولى),على أساس التطرق لنطاق تطبيق هده الأخيرة في (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى:مصادر السلطة التأديبية

على خلاف جل القواعد القانونية التي يعتبر القانون أهم مصادرها ؛فإن مساهمة المشرع في قيام قانون تأديبي متكامل تعتبر ضعيفة و غير دات أهمية.
وتبقى الأنظمة الداخلية للمقاولة و الإتفاقيات الجماعية للشغل أهم مصدر من مصادر السلطة التأديبية.

إن دور القانون كمصدر من مصادر السلطة التأديبية تمثلت في إقرار المغرب بالظهير 18يونيو1936الدي حد من حرية المؤاجرين في اللجوء إلى العقوبات المالية ضد الأجراء إلا عند مخالفتهم للمقتضيات المتعلقة بالمحافظة على الصحة و السلامة بالمقاولة .

وبصدور مدونة الشغل الجديدة تم تضمينها لبعض المقتضيات القانونية التي تحد من سلطة المشغل في توقيع الجزاءات التأديبية؛كما تم الإقرار بحق الأجراء في الدفاع عن أنفسهم و الإستعانة بمندوبي الأجراء لمؤزارتهم قبل إيقاع أية عقوبة عليهم.

كما نجد الأنظمة الداخلية للمقاولة تعتبر من بين أهم المصاد
ر الأساسية التي يستمد منها المشغل سلطته التأديبية؛وبإلقاء نظرة على جل الأنظمة الداخلية للمقاولات يتضح جليا بأن هده الأنظمة صيغت بطريقة عامة و غير واضحة ولا تحدد بدقة لائحة للأخطاء المرتكبة من طرف الأجراء ولا تصنيفها؛كما لا تضع ترتيبا للجزاءات بحسب كل مخالفة ولا مساطر لتوقيع هده الجزاءات.
ومن تما فإن لغياب المشرع على الحقل التأديبي نجد أن هده الأنظمة صادرة عن إرادة منفردة لرب العمل؛ولا يتم فيها التشاور في شأن وضعها مع مندوبي الأجراء أو ممثليهم النقابين.

هدا وتعتبر الإتفاقيات الجماعية للشغل الجماعية من المصادر المؤطرة لسلطة التأديب ؛على إعتبار أن مثل هده الإتفاقيات تعنى بتنظيم علاقات الشغل داخل المقاولة و ما يدخل في مفهوم السلطة التأديبية المشغل؛ووضع لائحة بالمخالفات المرتكبة من طرف الأجراء و كدا الجزاءات التي تلحقهم من جراءها.

غبر أن الملاحظ على الإتفاقيات الجماعية بالمغرب على ندرتها لم تعطي المجال التأديبي ما يستحقه من عناية ؛ليتركو اللأنظمة الداخلية في كل مؤسسة –على حدة-أمر ضبطها و تنظيمها.

الفقرة الثانية:نطاق تطبيق السلطة التأديبية للمشغل

إن موضوع السلطة التأديبة تنحصر في المعاقبة على الأخطاء التي يرتكبها العمال و التي تمس بسير الحسن للمؤسسة.

ولايشترط في الخطأ الموجب للعقوبة للتأديب أن يؤدي الى الإضرار بالغير بل يكفي ان يشكل إخلالا بمقتضيات النظام الداخلي (مثلا الأجير الدي يدخن)في أماكن الشغل يعتبر مرتكبا لخطأ موجب للعقاب حتى ولو لم يترتب عن الفعل الخاطىءو المخالف للنظام الداخلي ضرر للمشغل.

وعلى خلاف الجزاءات التأديبية التي تعتبر –مبدئيا-سهلة التحديد (الإندار –التوبيخ-الطردالمؤقت-التوقيف....)؛فإن تحديد قائمة بالأخطاء التي يمكن ان يرتكبها الأجراء تبدو معقدة لصعوبة تصور كل السلوكات الخاطئة التي قد يقترفها العمال؛ كما أن ما يوصف بسلوك خاطىءبل جسيم في مقاولة ما (التدخين في مؤسسة لتعبئة قنينات الغاز)قد لا يعتبر كدلك في مقاولة أخرى .

غير أن مايثير التساؤل هنا هو من هو الممارس الحقيقي للسلطة التأديبية؟

الأصل أن رب العمل أو المؤاجر هو الممارس الحقيقي للسلطة التأديبية ؛إلا أن تطور المقاولات و إتساع حجمها وعدم إمكانية تصور الإتصال المباشر بين رئيس المقاولة وبين أعضاء الأجراء في هدا النوع من المؤسسات ؛ تما تفويض ممارسة السلطة التأديبية لبعض رؤساء الغرف أو لبعض للجن.

وبالرجوع للمشرع المغربي نجده في الفصل 6من النظام النمودجي (الملغي)كان ينص على أنه يتوجب على الأجراء الإمتثال لرئيسهم المباشر ويجب على المؤاجر و مساعديه اي كانت مهنتهم التأدب مع الأجراء.

وبتحليل هدا الفصل يتضح بأن المشرع لم يحدد بدقة الممارس الحقيقي للسلطة التأديبية و تركها مشاعة بين الرئيس المباشر و المؤاجر و مساعديه؛وهو الأمر الدي قد يولد خطورة على حقوق الأجراء دلك أن ترك اتخاد القرارات التأديبية لروؤساء المباشرين؛يجعل قراراتهم مطبوعة في غالب الأحيان بروح الإنتقام و تصفية الحسابات لاروح الإصلاح و التهديب.

لكن بالرجوع إلى مدونة الشغل الجديدة نجدها تحد قليلا من هدا التوسع وهو الإتجاه الدي نؤيده من حيث تركيز السلطة التأديبية على المشغل وحده دون مساعديه؛مثلا المادة 37منها تنص "يمكن للمشغل اتخاد إحدى العقوبات التأديبية في حق الأجير لارتكابه خطأ غير جسيم"؛و المادة 38كدلك التي تنص على أن "يتبع المشغل العقوبات التأديبية مبدأ التدرج في العقوبة..."؛والمادة 63منها التي جاءت فيها "يسلم مقرر العقوبات التأديبية الوارة في المادة 37أعلاه أو المقرر الفصل إلى الأجير المعني بالأمر يدا بيد مقابل وصل أو بواسطة رسالة مضمونة مع إشعاره داخل أجل ثماني وأربعين ساعة من تاريخ إتخاد المقرر المدكور.
و بتالي فإن المشرع من خلال مونة الشغل قد حدد المسؤول الفعلي في تأديب الأجراء و دلك من خلال إلزام المشغل عبئ الإثبات عند وجود مبرر مقبول للفصل كما يقع عليه كدلك عبئ الإثبات عندما يدعي مغادرة الأجير لشغله؛على الرغم من كون هدا التصنيف غير كاف ودلك في الحالات التي يتم فيها تفويض بعض الصلاحيات للرؤساء المباشرين للعمال أو مندوبيهم.

أما فيما يتعلق بلخاضعين للسلطة التأديبية فهي تتحدد في كل الأشخاص المنتمين للمؤسسة سواء أكانو عمالا عاديين أو أطر عليا أو مستخدمين أو كانو يرتبطون بالمقاولة بعقد شغل.

كما يخضع كدلك كل الأجراء الموجودين في فترة تدريب أو إختبار و كدا الأجراء الدين يرتبطون بالمقاولة بموجب عقد تمرين أو تعلم المهنة .

المبحث الثاني: الضمانات القانونية للأجير بين المرحلة الإدارية والمرحلة القضائية

قدم المشرع المغربي للأجير ضمانات تنقسم بين المرحلة الإدارية (المطلب الاول)، والمرحلة القضائية (المطلب الثاني)

المطلب الأول : المرحلة الإدارية

عملت مجموعة من التشريعات المقارنة، وكذا المشرع المغربي على حماية الأجير من تعسف المشغل في سلطته التأديبية، خصوصا في حالة ارتكاب الأجير لخطأ جسيم يوقع عليه الفصل من مهامه، بحيث يعتبر الفصل من الشغل أكبر خطر يهدد الأجير خلال حياته المهنية، ووعيا من مشرعي قانون الشغل في مختلف الدول بهذه الخطورة، فقد ثم إحاطة الأجير بضمانات تحول دون فصله بشكل تعسفي، ولم يخرج المشرع المغربي بدوره عن هذا المنحى إذ أحاط الأجير بمجموعة من الضمانات، وبمثابة شروط إلزامية بالنسبة للمشغل يجب القيام بها قبل اتخاذ مقرر الفصل، وهذه الضمانات منصوص عليها من المواد 62 إلى 65 من مدونة الشغل ( الفقرة الأولى) كما قيد المشرع من سلطة المشغل بضرورة تدخل مندوب الأجراء ومفتش الشغل ( الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى : إجراءات الفصل التأديبي للأجير

بعد توقيع المشرع المغربي على الاتفاقية الدولية رقم 158 لمنظمة العمل الدولية بتاريخ 7 أكتوبر 1993، فقد ادمج مجموعة من المقتضيات القانونية المنصوص عليها في الاتفاقية الأنفة الذكر بمدونة الشغل، ومن ضمنها استدعاء الأجير قصد الاستماع إليه.

أولا : الإستماع إلى الاجير

تنص المادة 62 من مدونة الشغل على مايلي: "يجب قبل فصل الأجير ان تتاح له فرصة الدفاع عن نفسه بالإستماع إليه من طرف المشغل، أو من ينوب عنه بحضور مندوب الأجراء، او الممثل النقابي الذي يختاره الأجير بنفسه، وذلك داخل أجل لا يتعدى 8 أيام ابتداء من تاريخ الذي تبين فيه ارتكاب الفعل المنسوب إليه"
حيث يتضح أن المشغل استعمل صيغة الوجوب على المشغل بضرورة إتاحة فرصة للأجير للدفاع عن نفسه قبل الإقدام على فصله، من أجل إقناع المشغل بالعدول عن قراره وخاصة في حالة ما إذا كان خطأ الأجير بسيط لم يلحق ضرر يذكر بالمقاولة ، وكذالك كأن ينفي التهمة الموجهة إليه، أو بان يرد الخطأ الصادر عنه إلى عوامل خارجة عن إرادته .

وهكذا عبر القضاء في عدة قرارات له على أنه لا ينظر إلى الأخطاء المنسوبة إلى الأجير لكون المشغل لم يحترم الشروط الشكلية لفصله، وفي هذا السياق جاء في قرار لمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء"...حيث أنه لا يوجد بالملف ما يفيد احترام المشغلة لمقتضيات الفصول 62 و 63 و 64 من مدونة الشغل المتعلق بإتاحة الفرصة للأجير قصد الدفاع عن نفسه قبل الإقدام على فصله..." وحيث أن هذه المقتضيات تعتبر قواعد أمرة وردت بصيغة الوجوب وان عدم احترمها يجعل الفصل الذي تعرض له الأجير فصلا تعسفيا ورغم منح المشرع ضمانة الاستماع إليه من اجل الدفاع عن نفسه، إلا أنه أي المشرع لم يحدد كيفية استدعاء الأجير، هل برسالة كتابية أم بخطاب شفوي؟ بمعنى هل المشغل يبقى حرا في تبليغ الأجير بآية وسيلة كانت؟

فعلى عكس المشرع الفرنسي الذي نص على ان الاستدعاء يتم كتابة عن طريق رسالة مضمونة أو رسالة تسلم إلى المعني بالأمر شخصيا وصل استلام ، كما أن بعض الفقه المغربي ساير نهج التشريع الفرنسي بالقول " إن أول إجراء على المشغل احترامه هو إبلاغ الأجير المتهم بالإخلال بالتزاماته بماهو منسوب إليه، وذلك حتى يتمكن من إعداد دفاعه قبل الاستماع إليه.

وحدد المشرع النطاق الزمني للاستماع للأجير في أجل لا يتعدى 8 أيام تبدأ من تاريخ اكتشاف المؤاجر للأفعال المنسوبة إلى الأجير، وهنا يطرح التساؤل في حالة عدم قيام المشغل بإجراء الاستماع للأجير داخل هذا الاجل ، فما مصير مسطرة الفصل؟

يرى جانب من الفقه المغربي، بان عدم إستماع المشغل للأجير داخل أجل 8 أيام، يسقط حقه في تحريك إجراءات التاديب الواردة في المادة 62 من مدونة الشغل، لأن عدم تحريك المسطرة هو دليل على اقتناع المشغل بعدم ارتكاب الأجير لأي فعل أو لعدم أهمية المخالفة المرتكبة التي لا تصل لدرجة توقيع جزاء تأديبي، وهذا ما أكده قرار محكمة الاستئناف بالرباط رقم 1058/15/2005 الصادر بتاريخ 17/10/2006 والذي جاء فيه : إن عدم الاستماع للأجير داخل اجل 8 أيام من تاريخ إرتكاب الخطأ الجسيم يشكل خرقا لمقتضيات المادة 66 من مدونة الشغل، ذلك أنه متى استطالت الفترة الزمنية من تاريخ إرتكاب الخطأ الجسيم وتاريخ الاستماع إليه لمدة تفوق 8 أيام فإن ذلك يعتبر دليل لعدم اقتناع المشغل بعدم ارتكاب الأجير لأي فعل يستحق عليه المساءلة التأديبية، ويعتبر في هذه الحالة قد تنازل عن حقه في الفسخ، وأن عدم تحريك إجراءات التأديب داخل أجل 8 أيام يسقط حقه في المتابعة.

وإن تطبيق مسطرة الاستماع تقتضي توافق الطرفين على إجرائها، ذلك انه في حالة رفض أحد الطرفين إجرائها وإتمامها، فإنه يتم اللجوء إلى مفتش الشغل.

ثانيا : تبليغ مقرر الفصل

حث المشرع المغربي بمقتضى المادة 63 من م.ش، على ضرورة تبليغ الأجير المراد فصله مقرر العقوبة التأديبية الواردة في الفصل 37 من م ش أو مقرر الفصل يدا بيد مقابل وصل، او بواسطة رسالة مضمونة مع الإشعار بالتوصل داخل أجل 48 ساعة من تاريخ اتخاذ المقرر المذكور وذلك من أجل إحاطة الأجير علما بالأسباب المنسوبة إليه المبررة لاتخاذ قرار الفصل في حقه، ويتبنى المشرع الفرنسي نفس الإجراء المنصوص عليه فب المادة 63 من م ش ، إذ تنص المادة L1232-6 من القانون الجديد لسنة 2008، عندما يقرر المشغل فصل الأجير، يبلغ قراره بواسطة رسالة مضمونة الوصول، وتتضمن الرسالة الأسباب التي اعتمد عليها المشغل، ولا يمكن بعث الرسالة قبل مرور يومين من اللقاء المسبق بين المشغل والأجير، إلا ان مسألة تبليغ رسالة الفصل إلى الأجير ليس امر سهلا، بل في كثير من الاوقات تعترض هذه العملية صعوبات، وفي الوقع ينبغي التمييز في هذه الحالة بين عدم تبليغ رسالة الفصل الناتج عما يمكن اعتباره سوء نية الاجير كأن يمتنع او يتهرب من تسلمها، وبين عدم التبليغ الناتج عن تقصير المشغل، وبالتالي فالأمر لا يخلو من الحالات التالية: فإدا رجع الاشعار بالتوصل بملاحظة "مرفوض" او "انتقل إلى عنوان اخر" أو "لا يمكن بهذا العنوان"، فالتبليغ يمكن اعتباره قانونا لأن صيغة "مرفوض"، تفيد أن التبليغ قانوني، وان عبارة "انتقل إلى عنوان اخر" او لا يمكن بهذا العنوان"، تفيد انه غير عنوانه ومن ثم فهو يتحمل نتيجة إغفاله لذلك، اما إذا أرجع الإشعار بالتوصل بملاحظة "غير مطلوب" أو ان "المكان مغلق"، فإن تبليغ الإنذار بهذا الشكل لا يعتبر تبليغا قانونيا ويمكن للمشغل ان يلجأ إلى وسيلة ناجعة أكثر ومن أبرزها توجيه الإنذار استنادا على أوامر رئيس المحكمة .

وبالرجوع إلى المادة 63 من م ش نجد ان المشرع أكد بصريح العبارة على تبليغ مقرر الفصل داخل أجل 48 ساعة من تاريخ اتخاذ المقرر المذكور، لهذا فلا يؤخد بالتبليغ الذي لم يحترم هذه المدة القانونية، وهذا ما أقره المجلس الاعلى من خلال قرار له والذي جاء فيه : حيث أن المشغل بعث برسالة الفصل بعد فواث أجل 48 ساعة من فصله أي بعد مدة 24 يوما من تاريخ فصله لهذا فالمحكمة لم تكن في حاجة لمناقشة الأخطاء المنسوبة للأجير ما دام المشغل لم يحترم المسطرة القانونية.

الفقرة الثانية : دور مندوب الأجراء ومفتش الشغل

أولا : دور مندوب الأجراء

استحدث المشرع في إطار القانون الإجتماعي مؤسسة تمثيلية هامة للأجراء داخل المقاولة من المواد 430 إلى 463 من مدونة الشغل وبذلك يكون إنتخاب مندوب الأجراء امر إلزميا داخل المقولات، ومن بين المهام التي يقوم بها هي ربط الاتصال بين الأجراء من جهة والمشغلين من جهة ثانية بصدد القضايا الاجتماعية والقانونية، المطروحة داخل المؤسسة وكدا مهمة الدفاع عن صالح لزملائه عن العمل هدا ما قد يعرضه للمضايقات من قبل المشغل لهذه الاعتبارات عمل المشرع المغربي على اتخاد تدابير خاصة لحماية هذه الفئة من المشغلين

ثانيا : دور مفتش الشغل

في البداية نشير إلى أن مفتشية الشغل تعتبر احد المصالح الخارجية للوزارة المكلفة بالشغل وأعوان التفتيش هم بالأساس موظفون تابعون لوزارة الشغل، وقد ألزم المشرع بمقتضى المادة 64 من م ش المشغل بتوجيه نسخة من مقرر الفصل إلى العون المكلف بتفتيش الشغل، وذلك لحماية الاجير من تعسف المشغل في إنهاء عقد الشغل غير محدد المدة، إذ يقوم عون تفتيش الشغل بمراقبة مدى التزام المشغل بمسطرة الفصل في إطار مهمته الرقابية بالسهر على تطبيق الأحكام التشريعية والتنظيمية المتعلقة بالشغل، لهذا فإن مفتش الشغل يقوم عند توجيه نشخة من مقرر الفصل إليه، بالتحقق من تضمين مقرر الفصل للأسباب المبررة لاتخاده، حيث ينظر في مدى موضوعية هذه الأسباب وتناسبها مع الجزاء المراد توقيعه على الأجير، إذ في حالة تبين له ان الاخطاء بسيطة ولا ترقى إلى درجة تستوجب فصل الأجير فإنه يحاول في إطار مهامه التصالحية التوفيق والمصالحة بين طرفي النزاع وذلك ضمانا لاستقرار عقد الشغل .

كما يعمل العون المكلف بتفتيش الشغل على مراقبة مدى احترام المشغل لمسطرة الاستماع، وذلك من خلال مقرر الفصل الذي يجب أن يتضمن تاريخ الاستماع إلى الأجير، وان يرفق بمحضر جلسة الاستماع الذي يتضمن حيثيات هذه الجلسة، إذ يستطيع مفتش الشغل من خلال هذا المحضر أن يقيم مدى احترام المشغل لحق دفاع الأجير في تفسير ودحض الأخطاء المنسوبة إليه، ومنح المشرع لمفتش الشغل دورا تقريريا في مسطرة تأديب بعض الفئات من الأجراء نظرا لطبيعة عملهم أو لوضعهم الصحي كالتأديب الذي قد يتعرض له مندوب الأجراء حيث ألزم المشرع المشغل بالحصول على موافقة مفتش الشغل، وذلك طبقا لمقتضيات المادة 457 من م ش، ويعتبر هذا الإجراء من النظام العام حيث يؤدي مخالفته إلى بطلان مقرر الفصل واعتباره تعسفيا، وهذا ما أقره المجلس الأعلى في أحد قراراته الذي جاء فيه " أن كل نقل وكل طرد مؤقت أو نهائي تقرره المؤسسة بشأن كل مندوب من المستخدمين يجب عرضه فورا إلى العون المكلف بتفتيش الشغل الذي يبدي رأيا معللا بأسباب، وانه في حالة الخطأ الجسيم يجوز لرئيس المؤسسة طرد المندوب طردا مؤقتا ريثما يصر مفتش الشغل رأيه"

وتجدر الإشارة أن موافقة مفتش الشغل على مقرر فصل مندوب الأجراء لا تعفي المشغل من سلوك مسطرة الفصل العادية المنصوص عليها من المواد 62 إلى 65 من مدونة الشغل، فإذن مفتش الشغل هو بمثابة الضوء الأخضر للشروع في مباشرة إجراءات الفصل العادية.

المطلب الثاني: الرقابة القضائية

الرقابة القضائية على فصل الأجير هي التي تتولاها المحاكم بمختلف درجاتها ضمانا لحسن سير العدالة، وتحقيق الإنصاف لأطراف العلاقة الشغيلة. ومن هنا سوف نتطرق في (الفقرة الأولى) للإختصاص وطرق الطعن في المقررات التأديبية، ونعالج في (الفقرة الثانية) الرقابة على الشروط الشكلية والموضوعية للمقرر التأديبي.

الفقرة الأولى: الاختصاص وطرق الطعن في المقررات التأديبية

لقد تم تنظيم إجراءات الدعوى في القضايا الاجتماعية من خلال مقتضيات قانون المسطرة المدنية، فقد افرد لها المشرع الباب الرابع من القسم الخامس المتعلق بالمساطر الخاصة. (الفصول من 269 إلى غاية الفصل 294 من قانون المسطرة المدنية). ويتبين من خلال هذه النصوص الواردة في قانون المسطرة المدنية. أن الإجراءات المسطرية التي تتبعها المحكمة الإجتماعية عند رفع دعوى التعويض عن الطرد التعسفي أمامها من طرف الأجير خاصة ما أتت به مدونة الشغل من جديد بمقتضى مسطرة الصلح التمهيدي.

وهناك حالة استثنائية في حالة الفصل الجماعي لأسباب اقتصادية إلا أنه قد يدفع أحد الأطراف أمام المحكمة بعدم الإختصاص النوعي خاصة إذا كان أحد الأطراف يمثل الدولة فيتمسك بمقتضيات المادة 13 من القانون المحدث للمحاكم الإدارية، وقد تضم المحكمة الابتدائية هذا الدفع إلى الجوهر وتعمل محكمة الإستئناف على تأييده كما هو الحال في القرار عدد 420 إذا تقضى لمجلس القرار الإستئنافي بعد أن عابت الطاعنة على القرار المطعون فيه خرق المادة 13 من قانون المحاكم الإدارية ذلك أنها أثارت ابتدائيا الدفع بعدم الاختصاص للبث في الطلب المعروض على أنظار المحكمة الابتدائية مشيرة أن الاختصاص يعود للمحكمة الإدارية بالدار البيضاء إلا أن الحكم الابتدائي رد الدفع بعدم الاختصاص النوعي بعلة أن محكمة القضاء الشامل هي المختصة للبث في الطلب كما أن محكمة الاستئناف تبنت حيثيات الحكم الابتدائي حين ضمت الدفع إلى الموضوع وخولت لنفسها الاختصاص خلافا لما تنص عليه الفقرة الثانية من المادة 13 من القانون المحدث للمحاكم الإدارية مما يتعين معه الحكم بنقض القرار.

وكان جواب المجلس الأعلى عن ما عابت الطاعنة على القرار: "حيث تبث صحة ما عاتبه الوسيلة على القرار المطعون فيه ذلك أن الطاعنة كانت قد أتارث خلال مراحل الدعوى عدم الاختصاص النوعي بالنسبة للمحكمة الابتدائية وأن المحكمة الإدارية هي المختصة تبعا للفصلين 12 و 13 من قانون المحاكم الإدارية إلا أن المحكمة الابتدائية ضمت الدفع بعدم الاختصاص النوعي.

إلى الموضوع وتبنت محكمة الاستئناف تعليلها والحال أن مقتضيات المادة 13 من قانون المحاكم الإدارية تقضي بالبث في الدفع المشار بالاختصاص النوعي بمقتضى حكم مستقل دون ضمه إلى الموضوع ما يبقى معه الحكم بنقض القرار" .

* الطعن في مقرر الفصل

حسب مقتضيات المادة 65 من مدونة الشغل: "يجب تحت طائلة سقوط الحق، رفع دعوى الفصل أمام المحكمة المختصة في أجل تسعين يوما من تاريخ توصل الأجير بمقرر الفصل" وحدد المشرع هذه المدة واعتبرها من النظام العام، بحيث لا يجوز مخالفتها، خلافا لما كان عليه الأمر في ظهير 23/10/1948 بحيث كان ينص في فصله السادس على أنه " ويجوز للأجير في ظرف شهر واحد ابتداء من يوم توصله بالرسالة المذكورة أو تسليمه نسخة منها أن يرفع قضية إلى محكمة الشغل مدعما مطلبه برسالة الطراء" إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه حول مفهوم الأجل الذي حدده هذا النص في شهر واحد، فهل يعني أنه أجل مسقط للدعوى؟
بمعنى أن الأجير الذي لا يقدم دعواه داخل ذلك الأجل يسقط حقه في تقديم الدعوى؟

لقد انقسم الفقه في الجواب على هذا الإشكال إلى اتجاهين رئيسيين:

الإتجاه الأول: يرى أن الأجل المنصوص عليه في الفصل المذكور أعلاه ينبغي على الأجير احترامه لإقامة دعواه وإلا سقط حقه في الطعن في مقرر الفصل، ومبرراته في هذا القول أن المشرع خول للأجير الحق بالطعن في تصرف المشغل متى اعتبره تعسفيا فنص على حق الأجير في إقامة دعواه إلى القضاء، لكنه حدد له أجل شهر لممارسة هذا الحق وإلا سقط، وهذا التفسير يتفق مع تفسير الفقرة الأولى من الفصل 745.

من ق.ل.ع والذي ينص على أن "التوصل الذي يعطيه العامل لرب العمل عند فسخ أو انقضاء عقده بتصفية كل حساباته اتجاهه يجوز نقضه خلال ثلاثين يوما التالية لتوقيعه ......

الاتجاه الثاني: يرى أنه يمكن للأجير أن يقسم دعواه بعد صدور أجل الشهر المنصوص عليه في الفصل 6 من النظام النموذجي دون أن يرتب عليه المشرع أي جزاء، بحيث يمكن لإقامة دعوى الفصل بعد انصرام أجل الشهر، والقضاء المغربي في تلك الفترة قد سار مع هذا الاتجاه بحيث صدر قرار عن المجلس الأعلى يقضي فيه " لكن حيث أن القرار المطعون فيه كان على صواب عندما رد على الفرع الأول من الوسيلة بأن عدم تسجيل الأجير دعواه في أجل شهر من توصله برسالة الطرد، لا يسقط حقه لعدم تنصيص الفصل 6 من قرار 23 – 10-1948 على ذلك سيما وأن الفصل المذكور لا يرتب جزاء على عدم تسجيل الدعوى داخل أجل الشهر الذي ينص عليه مما يكون معه الوسيلة بفرعيها غير جديرة بالاعتبار .

إلا أن الإشكال الذي طرح أجل الشهر المنصوص عليه في الظهير النموذجي قد حلته مدونة الشغل والتي نصت على أجل 90 يوما من تاريخ توصل الأجير بمقرر الفصل وذلك تحت سقوط الحق.

ويبدو أن أجل 90 يوما التي جاءت به المدونة هو أجل الحماية للأجير بحيث يعتبر مدة كافية من أجل أن يطعن في مقرر الفصل، وإن كانت ترى إحدى الباحثات عكس هذا، بقولها "أن القانون السابق هو أكثر حماية للأجير من المدونة لأن أجل 90 يوما يجب أن يراعي تحت طائلة سقوط الحق، ولم يعد للأجير حق رفع الدعوى بعد 90 يوما........" وتعتبر هذه الباحثة "أن المشرع قد سلب حقا من حقوق الأجراء التي كانت مكسبا لهم في ظهير 23/10/1948.

الفقرة الثانية : الرقابة القضائية على الشروط الشكلية والموضوعية للمقرر التأديبي.

يفرض القضاء رقابته على القرارات التي يتخذها المشغل في إطار ممارسة سلطته التأديبية، ويعتبر قرار الفصل من اخطر هذه القرارات، وذلك حماية للأجراء من تعسف المشغل للشروط الشكلية والموضوعية للفصل، التي تضفي مشروعية على قرار الفصل وكذلك مراقبة مدى تناسب الجزاء مع الأخطاء المرتكبة من طرف الأجير.

ويؤدي انحراف المشغل عن المقتضيات القانونية المنظمة لفصل الأجراء اعتبار الفصل تعسفيا وغير مبرر مما نتج عنه مجموعة من الآثار، لهذا فسوف نعمل على دراسة أوجه الرقابة القضائية.

قيد المشرع المغربي سلطة المشغل التأديبية برقابة السلطة القضائية، التي تتولاها المحاكم بمختلف درجتها وذلك ضمانا لحسن سير العدالة، حماية الأجير من تعسف المشغل في استعمال هذه السلطة، وتتمحور هذه الرقابة حول الشروط الشكلية والموضوعية للفصل، حيث يعمل القضاة على مراقبة مدى احترام المشغل لهذه الشروط، كما يقوم القضاة بالملائمة بين الأفعال المرتكبة والجزاءات الموقعة من طرف المشغل للنظر في مدى تناسبها.

لهذا فسوف نتطرق لرقابة القضاء على احترام الشروط الشكلية والموضوعية للفصل، سلطة القضاء في الملائمة بين الأفعال المرتكبة والعقوبات المطبقة من طرف المشغل التي قيد سلطة المشرع في فصل أجره بمجموعة من الإجراءات الشكلية وذلك حماية للأجير من تعسف مشغله وضمانا لاستقرار عقد شغل هذه ومن جملة الإجراءات التي يتعين على المشغل احترامها، إخطار الأجير بقرار الفصل وذلك حتى لا يفاجئ بهذا القرار وكذا من اجل منحه أجلا للبحث عن عمل خر حيث يستفيد أثناء أجل الإخطار من رخص للتغيب.

كما يقوم القضاء بمراقبة مدى احترام المشغل لمسطرة الفصل التأديبي المنصوص عليها في المواد 62 إلى 65 من مدونة الشغل، وهذا ما ذهب إليه القرار الصادر عن المجلس الأعلى . الذي جاء فيه.

" حيث أنه من استقراء المواد 61 و62 و63 و64 و65 يتجلى بان تضييق مسطرة الفصل ملقاة على كامل المشغل باعتباره صاحب المبادرة في فصل الأجير بادعائه ارتكاب للخطأ الجسيم وبالتالي فدور المشغل في هذه المسطرة هل إيجابي وليس سلبي".

فمسطرة الفصل تعتبر من أهم الضمانات التي وضعها المشرع لحماية الأجير من تعسف المشغل، إذا يجب على المشغل قبل الإقدام على فصله أن يتيح له فرصة للدفاع عن نفسه خاصة إذا كان يرى أن الأفعال المنسوبة إليه غير حقيقية أو، لا تشكل خطورة كبيرة على مصلحة المقاولة، إذا يعتبر فصل الأجير بدون الاستماع إليه فصلا تعسفيا وهذا ما أكده القرار الصادر عن محكمة الاستئناف بالدار البيضاء، إذا قام مشغل بفصل أجيره بدعوى ارتكابه خطا جسيم، ولم يقم قبل فصل الأجير بسلوكك مسطرة الفصل المنصوص عليها في المادة 62 وما يليها من مدونة الشغل، وذلك بتمكين الأجير من الدفاع عن نفسه، مما يضفي على قرار الفصل الطابع التعسفي.

ونص المشرع في الفقرة الأخيرة من المادة 62 من م.ش أنه في حالة رفض احد طرفي عقد شغل إجراء أو إتمام مسطرة الاستماع، فإنه يتم اللجوء إلى مفتش الشغل، وعند اتخاذ المشرع القرار بفصل الأجير فعليه أن يحيطه علما بالأخطاء المنسوبة إليه وذلك عن طريق تسليمه مقرر الفصل مباشرة يدا بيد أو بواسطة البريد المضمون، إذا يؤدي خرق هذا الإجراء إلى اعتبار الفصل تعسفيا من قبل القضاء، وهذا ما ذهب إليه المجلس الأعلى في أحد قراراته الذي جاء فيه" يجب على المشغل أن يخطر العامل بالخطأ الذي يستوجب طرده عن طريق البريد المضمون ويسلم منه يدا بيد، وان المشغلة المطلوبة في النقض أقرت بأنها لم توجه إنذار أو إشعار بالفصل للطاعنة، وكان على المحكمة عندما تبين لها المشغلة لم تحترم هذا الإجراء أن تعتبر الطرد تعسفيا، وان ترتب عنه آثاره...).

ويتعين على المشغل أن يضمن قرار الفصل الأسباب المبررة لاتخاذه بكل وضح ودقة لان الأجير لا يسال إلى على ضوء ما جاء في مقرر الفصل وهذا ما أكده احد القرارات الصادرة عن المجلس الأعلى إذا اقر انه على المحكمة أن تتقيد بالأسباب التي وردت في الإنذار كما أن من جملة الإجراءات الشكلية التي تتم مراقبتها من طرف القضاء، رسالة الرجوع إلى العمل في حالة ادعاء المشغل للمغادرة التلقائية للأجير فإذا لم يقدم المشغل للمحكمة ما يفيد سلوك مسطرة الرجوع، فإن المحكمة تعتبر الفصل تعسفيا يستحق عليه الأجير التعويضات المستحقة.

لهذا فعدم احترام الإجراءات الشكلية للفصل تجعل الفصل تعسفيا، وتعفي القاضي من النظر في حقيقة وجدية الأسباب المنسوبة للأجير، فخرق الجانب الشكلي كاف لاعتبار الطرد تعسفي وهذا ما أكد المجلس الأعلى في قراره عدد 572 . يجب على الأجير أن يتمسك بالدفع بخرق الإجراءات الشكلية ويثيره أمام المحكمة، لأنها لا يمكن أن تثير ذلك من تلقاء نفسها، لان مسطرة الفصل ليست من النظام العام، وهذا ما حسم فيه المجلس ورفع حدا للجدل الفقهي الذي ثار حول طبيعة مسطرة الفصل، هل تعتبر من النظام العام أم لا؟ فلقد ذهب المجلس الأعلى في أحد قراراته إلى اعتبار مسطرة الفصل ليست من النظام العام لأنها لا تتعلق بمصلحة الأجير لهذا يجب عليه أن يثيرها أمام المحكمة، ونفس الموقف تبنته محكمة الاستئناف بالدار البيضاء.

من أوجه الرقابة القضائية على الشروط الموضعية للفصل، يقوم القاضي في إطار مهمته الرقابية بالنظر في الأسباب المدرجة في مقرر الفصل التي يستند عليها المشغل كمبرر لفصل أجره ليرى مدى الوصف القانوني الذي يضفيه المشغل على الأخطاء المنسوبة للأجير، فالقضاء غير ملزم بالتكييف الذي يقرره المشغل، بل هو الذي يحدد الخطأ يعتبر جسيما أم لا، وهذا ما قضى به المجلس الأعلى في أحد قراراته. وقد منح المشرع المغربي للمشغل الحق في نزال عقوبات تأديبية في حق الأجير الذي ارتكب أخطاء غير جسيمة التي من شأنها أن تخل بنظام المؤسسة، لكن يجب عليه ملائمة العقوبات مع الأخطاء المرتكبة من طرف الأجير، واحترام مبدأ التدرج في تطبيق العقوبات إذ يتوجب عليه أن لا يطبق العقوبة الأشد بعد استنفاذ العقوبات الأخف، وذلك ضمانا لاستقرار عقد الشغل وحماية الأجير من البطالة وذلك طبقا للمادة 38 من م. ش يتبع المشغل بشان العقوبات التأديبية مبدأ التدرج في العقوبة، ويمكن له بعد استنفاذ هذه العقوبات داخل السنة أن يقوم بفصل الأجير، ويعتبر الفصل في الحالة فصلا مبررا".

ويفرض القضاء رقابته على المشغل لاحترام مبدأ التدرج في العقوبة وهذا ما أكده القرار الصادر عن محكمة الاستئناف بالدار البيضاء ويذهب الاجتهاد القضائي إلى أن المحكمة لا تستعمل سلطتها في تقدير جسامة الخطأ إلا إذا كان الخطأ غير ووارد في الأخطاء الجسيمة الواردة في المادة 39 م.ش وهذا ما اقره المجلس الأعلى في أحد قراراته.

أما فيما يخص إثبات الخطأ المنسوب للأجير فإنه يقع على عاتق المشغل طابق للفقرة الثانية من المادة 63 من م.ش" يقع على عاتق المشغل عبء إثبات وجود مبرر مقبول للفصل..." وإذا لم يستطع المشغل إثباته في حق الأجير فالفصل تعسفي وهذا ما قضت به المحكمة الابتدائية بالرباط وهو ما أكدته محكمة الاستئناف بالدار البيضاء في قرار الذي جاء فيه ، )حيث ان مشغلة ادعت ارتكاب أجيرها لخطأ جسيم يتمثل في رفضه الامتثال لأوامر مدير الشركة وتوجيه السب والشتم لرؤسائه المباشرين في العمل، لكن بالرجوع إلى ملف القضائية لم تجد المحكمة ما ثبت ذلك، والمشغلة لم تقدم الدليل على ارتكاب الأجير للأخطاء المنسوبة إليه تبقى المشغلة قد أنهت عقد الشغل بدون مبرر، وما أقدمت عليه يكتسي طابعا تعسفيا..."

لهذا ففصل الأجير بدون وجود سبب حقيقي وجدي يبرر الفصل، وعدم قدرة المشغل على إثبات الأفعال المنسوبة للأجير تجعل الفصل تعسفيا وغير مبرر، وعلى المحكمة أن تعلل قرارها لأنها تخضع لرقابة المجلس الأعلى.

إذا كان للقضاء سلطة البحث في مشروعية قرار الفصل، وكذا إعادة تكييف الأخطاء المنسوبة للأجير، فإنه يطرح التساؤل حول سلطة القضاء في مراقبة مدى الملائمة بين الخطأ المقترف من طرف الأجير والعقوبة المطبقة من طرف المؤاجر؟

درج قضاة الموضوع على تخويل أنفسهم سلطة الملائمة بين الخطأ المقترف من طرف الأجير والعقوبة الموقعة من طرف أنفسهم سلطة الملائمة بين الخطأ المقترف من طرف الأجير والعقوبة الموقعة من طرف المؤاجر، وهذا ما نجده في الحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية بالرباط الذي جاء فيه" ما دامت المدعية قد حملت على الإذن بالتغيب لزيارة الطبيب... فإن خروجها وعودتها من تلك الزيارة لا يعد في نظر المحكمة خطا مرتكب من طرفها...

الأمر الذي يتعين معه التصريح بأن الإجراء التاديبي الصادر في حق المدعية، وهو عقوبة التوقيف عن العمل لمدة ثلاثة ايام مع الحرمان من الأجرة عن نفس المدة... لا يرتكز على أي أساس ويتعين التصريح بإلغائه،" ذهبت في نفس التوجه كل من المحكمة الابتدائية بفاس وابتدائية القنيطرة .

لكن نجد أن المجلس الأعلى كمحكمة قانون، ينكر على قضاء الموضع هذه السلطة ويقر أن تقدير العقوبة يدخل في صميم اختصاص المشغل، الذي له الحق في تقدير للأخطاء المرتكبة من طرف الأجير وتحديد العقوبات المناسبة لها، وليس لقضاة الموضوع سلطة التدخل لإلغائها، وهذا ما جاء في احد قرارات المجلس الأعلى " المحكمة اعتبرت مقرر ب العمل القاضي بنقل العامل كعقوبة تأديبية قضت بإلغائهن متجاوزة بذلك حدود سلطتها مما يجعل حكمها معرضا للنقض".
أما الفقه فقد نادى بتخويل قضاة الموضوع سلطة ملائمة العقوبة مع الأخطاء المقترفة مع المخالفة المقترفة من طرف الأجير، ذ يذهب الأستاذ عبد اللطيف خالفي:" أنه لأي عقل أن نعاقب الأجير المقترف لخطا يسير بعقوبة الفصل مثلا، دون أن نسمح بتدخل القضاء لإعادة الأمور إلى نصابها، بدعوى أن المشغل هو بما يحقق السلم والانضباط اللازمين لنجاج مشروعه" .

الأستاذ محمد سعيد بناني نفس التوجه إذ يحث على ضرورة أن يمارس القضاء رقابته على مدى التناسب بين الأخطاء والعقوبة ونحن نرى ان هذا التوجه حري بالتأييد وندعو بدورنا أن يتم الاعتراف لقضاء الموضوع بسلطة الملائمة بين الخطأ والعقوبة التأديبية، لأن من شان ذلك أن يعزز حماية الأجير من تعسف المشغل ويساهم في السلم الاجتماعي داخل المقاولة.

لهذا فالقضاء رغم المعيقات التي تواجهه فانه يقوم بدور فعال في مراقبة القرارات التي يتخذها المشغل في إطار ممارسة السلطة التأديبية، وذلك من اجل الموازاة بين حق المشغل في تأديب الأجير ومصلحة هذا الأجير في استمرار عقد عمله للمحافظة على أجره كمورد للرزق له ولأسرته لهذا نجده في سبيل ذلك يوسع من مفهوم التعسف في استعمال الحق، ويتشدد في ضرورة احترام المشغل لمختلف الإجراءات المسطرية المنصوص عليها في مدونة الشغل، ويتحقق من موضوعية الأسباب المدرجة في مقرر الفصل إذا يقوم بتكييفها وتقييم مدى تناسبها مع العقوبات الموقعة من طرف المشغل، وأي مخالفة لهذه الفروض تجعل الفصل تعسفيا وغير مبرر، مما يترتب عليه مجموعة من الآثار في مواجهة الشغل.

خاتمــــــــــــــــــــــــــــة

وختاما يمكن القول أن المشرع المغربي ولا العمل القضائي لم يترك الحرية المطلقة للمشغل في استعمال الحق أن سلطته دائما تبقى مقيدة. بالقانون والقضاء الذي يجسد رقابته سواء على شروط الشكلية أو الموضوعية وذلك من أجل احترام مبادئ المحاكمة العادلة عن طريق المحافظة على المعادلة الثلاثية وهي حماية الأجير، وحقوق المشغل، حماية اقتصادية، التي تهدف إلى استقرار علاقة الشغل، كما ألزم المشرع المشغل سلوك المسطرة خاصة وضرورية حتى في ارتكاب الأجير خطأ جسيم يتبين من خلال مقتضيات المدونة الجديدة لم تكفل الأجير جميع حقوقه وإنما جاءت لتكريس حقوق أكثر أصحاب المؤسسات وذلك قصد توفير المناخ الملائم لجلب المستثمرين وخاصة أجانب منهم.

خصوصا وأن الفصل الأجير سيظل محل جدل ونقاشا بين مختلف الفاعلين.

كتب

 محمد كشبور،إنهاء عقد الشغل، مطبعة النجاح الجديدة، طبعة 2008
v
 عبد الكريم الطالب,الشرح العملي لقانون المسطرة المدنية,المطبعة الوطنية بمراكش.2001
v
 احمد عبد الكريم أبو شنب شرح قانون العمل الجديد –الأردن-مكتبة الثقافة للنشر و التوزيع , جامعة الأمراء عمان لسنة 2003
v
 بلال العشري؛الوجيز في علاقات الشغل الفردية؛محاضرات في القانون الإجتماعي ؛طبعة 2005
v
 عبد اللطيف خالفي الوسيط في مدونة الشغل ل علاقة الشغل الفردية) 2004
v
 محمد سعيد بناني قانون الشغل بالمغرب في مواد مدونة الشغل( علاقات الشغل الفردية الجزء الثاني 2007
v

رسائل جامعية

 رشيد الزعيم الفصل لخطأ جسيم على ضوء مدونة الشغل رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة 2007
v
 نوال السعدي : فصل الأجير للخطا الجسيم من منظور القضاء، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المتخصصة في المهن القضائية والقانونية، جامعة محمد الخامس السويسي،2008-2009
v
 محمد التباع: الضمانات القانونية لفصل الأجراء في قانون الشغل المغربي، رسالة لنيل الماستر في قانون الأعمال والمقاولات، جامعة محمد الخامس السويسي،2007-2008
v
 بشرى العلوي: الفصل التعسفي للأجير على ضوء العمل القضائي، رسالة لنيل دبلوم الجامعي العالي،جامعة محمد الخامس السويسي، سنة 2005
v


الأسباب المبررة للفصل التأديبي ومسطرته.

0 commentaires

الأسباب المبررة للفصل التأديبي ومسطرته.

المطلب الأول : الخطأ الجسيم كسبب أساسي لإيقاع الفصل التأديبي في حق الأجير.

إذ أخل الأجير بواجباته المهنية بعدم أداء العمل المطلوب منه بكل عناية أو ارتكب فعلا يتعارض مع ما توجبه قواعد حسن النية أثناء تنفيذ التزاماته العقدية، أو خالف مقتضيات النظام أو عارض أوامر أو تعليمات المشغل أو أي شخص آخر له سلطة القيام بذلك أو منع الأجراء الآخرين من تأدية واجباتهم مثلا، فإن ذلك يرتب مسؤوليته تجاه مشغله ويسمح لهذا الأخير بإعمال سلطته التأديبية المبنية على نظرية التبعية القانونية التي تنتج مباشرة عن عقد الشغل.
ومن أجل ضمان واستقرار علاقة الشغل فالمشرع لم يترك الحرية المطلقة للمؤاجر في استعمال هذه السلطة.
وتتدرج أنواع العقوبات المخول للمشغل إيقاعها على الأجير المخطأ تبعا لطبيعة وحجم الخطأ غير الجسيم المرتكب من لدن الأجير حسب ما نصت على ذلك المادة 37 و38من م .ش.وفضلا عن هذه العقوبات التأديبية فإن المشغل له سلطة فصل الأجير فصلا تأديبيا في حال ارتكاب هذا الأخير لخطأ جسيم.

وإذا كان الخطأ الجسيم يؤدي إلى الفصل مباشرة فإن ارتكاب الأجير لأخطاء غير جسيمة يطبق المشغل بشأنها عقوبات تأديبية بشكل تدريجي في العقوبة ويؤدي استنفاد هذه العقوبات داخل السنة إلى فصل الأجير ويعتبر الفصل في هذه الحالة فصلا تأديبيا أو فصلا مبرر
المطلب الثاني : المسطرة العامة للفصل التأديبي
وينبغي التمييز في إطار مسطرة الفصل التأديبي عن العمل بين المسطرة العامة لفصل الأجراء العاديين وبين المسطرة الخاصة لفصل بعض الأجراء "المحميين" وسنتناول المسطرة العامة لفصل الأجراء العاديين في هذا المطلب على أن نتناول في المطلب الموالي المسطرة الخاصة لفصل بعض الأجراء المحميين.

الفقرة الأولى : مسطرة الاستماع إلى الأجير

في هذا الإطار نصت مدونة الشغل في الفصل 62 على وجوب أن تتاح للأجير فرصة الدفاع عن نفسه قبل فصله وذلك بالاستماع إليه من طرف المشغل أو من ينوب عنه بحضور مندوب الأجراء أو الممثل النقابي بالمقاولة الذي يختاره الأجير بنفسه وذلك داخل أجل لا يتعدى 8 أيام من التاريخ الذي تبين فيه ارتكاب الفعل المنسوب إليه ويحرر محضر في الموضوع من قبل إدارة المقاولة يوقعه الطرفان وتسلم نسخة منه إلى الأجير وإذا رفض أحد الطرفين إجراء أو إتمام المسطرة يتم اللجوء إلى مفتش الشغل. ولقد كان موقف المشرع المغربي إيجابيا عند تخويله للأطراف المتنازعة فرصة لمحاولة فض النزاع حبيا، خاصة ما يمكن أن ينجم عن هذا الحوار والاستماع من تفهم المشغل لحقيقة الوضع وأيضا للظروف الدافعة بالأجير لارتكاب الفعل المنسوب له
وتعتبر مسطرة الاستماع إلى الأجير هي جوهر المسطرة لأن لقاء المشغل بالأجير يمكن أن يوضح له أمورا كانت غائبة عليه وأنه في إطار دفاع الأجير عن نفسه يمكن أن يقدم لمشغله جميع الإثباتات ويقنعه بكون الأخطاء المنسوبة إليه لا أساس لها من الصحة وفي هذه الحالة لو أن المشغل تسرع واتخد قراره بالفصل مباشرة لترتب عن ذلك تقديم العامل المتضرر من هذا القرار دعوى أمام المحكمة والتي حتما سوف تحكم على المشغل بأداء التعويض للأجير جبرا للضرر.
الفقرة الثانية : مسطرة تسليم مقرر الفصل
مقرر الفصل هو محرر كتابي يكون على شكل رسالة أو مقرر يسلمه المشغل للأجير يبين له فيه الأسباب التي أدت إلى فصله من العمل، وكذلك جعلها المشرع الوسيلة التي يعلم بموجبها الأجير بفصله عن العمل.
فإن رسالة الفصل التي يوجهها رب العمل للأجير يجب أن تتضمن بصفة واضحة أسباب الطرد وتاريخه..."
وفي الأخير يجب التنصيص على أجال تسعين يوما في المقرر حتى يتمكن الأجير من رفع دعواه ضد المشغل داخل الآجال المحدد ويبتدئ سريان هذا الآجال من تاريخ توصل الأجير بمقرر الفصل. زيادة على ذلك يجب إرفاق مقرر الفصل بصورة من محضر الاستماع المشار إليه في المادة 62 م ش .
حيث اكتفى المشرع بإحدى الوسيلتين أي إما تسليم المقرر يدا بيد أو رسالة بواسطة البريد المضمون مع إشعار بالتوصل

الزواج العرفي بين الشرع والقانون

0 commentaires


1. المقدمه

الحمد لله الذي جعل بين الزوجين مودة ورحمة، والصلاة والسلام على خير هاد للبشرية جمعاء وعلى آله الأطهار وصحابته الأخيار.
1. إن عقد الزواج الكامل هو العقد الذي يقوم على أساس التكافل والرحمة والمودة يقول تعالى: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" (الروم/21). لكن الشارع الحكيم يم يترك هذه العلاقات من دون ضوابط ومحددات، بل فرض على الزوجين وعلى سائر أفراد الأسرة من الحقوق والواجبات المتبادلة لتحقيق السعادة والتماسك ولنبذ الشقاق والخلاف من شأنه تفكيك الأسرة.
إن الأحوال الشخصية في شريعتنا جاءت مفصلة الأحكام لأن معظمها مبني على مصلحة ثابتة لا تتغير، إلا أن مستجدات العصر متسارعة الظهور والنشوء والأنتشار، وكما هو معلوم في أصول الفقه أن النصوص متناهية والوقائع والمستجدات غير متناهية، والشارع الحكيم لم يفصّل الأحكام وذلك لفتح باب الأجتهاد وإعمال العقل في الأستنباط لما يجد من الحوادث المستجدة.
لذا، فإن الفقهاء اجتهدوا في مسائل الأحوال الشخصية، وعالجوا هذه المستجدات والمشكلات، معتمدين على الفهم الثاقب والعميق لروح النص ومقاصد الشريعة والمصلحة الشرعية المعتبرة، ولخطورة المسألة وحساسيتها وجدوا أنه من غير الممكن الخوض في الحكم عليها قبل أن يتصور حقيقتها – لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره كما يقول أهل الأصول ـ، ولا يمكن الحكم عليها قبل التحقق من موافقتها للأدلة الشرعية أو معارضتها لها في كثير من الفروع.
ولا شك أن الزواج العرفي بعد من تلك الوقائع والمستجدات الذي كرّس له حصة كبيرة من النظر والأجتهاد، ويعد هذا النوع من الأنكحة من أخطر الموضوعات المعاصرة في باب الزواج، وقد انتشر انتشارا واسعا بسبب تلاحق تشريعات الأحوال الشخصية وزيادة الألتزامات في الزواج الرسمي مما أدى إلى الهروب من الزواج الرسمي إلى الزواج العرفي، وكما هو معلوم أن هنالك من الأنكحة العرفية الدارجة في كثير من المناطق أنكحة باطلة لسريتها وخلوها من الشهود والولي، فلجهل كثير من الشباب والشابات في الشريعة نراهم ينزلقون إلى مثل هذه الأنكحة لتحقيق غرائزهم وأهوائهم، أو أن البعض الآخر يجد أن هذا الزواج أخف بكثير من حيث القيود والتي تجدها في الزواج الرسمي، مما يجعله بذلك مصطدما بقوانين الدولة التي تمنعه من الإقدام إلى مثل هذه الأنكحة، وتجبره على توثيق وتدوين زواجه في الدائرة الرسمية المعنية.
لذا سأحاول في هذا البحث المتواضع أن أتناول الجوانب المتعلقة في الزواج العرفي: الشرعية والقانونية والأجتماعية وصور في الخاتمة إلى التقويم المطلوب لهذا النوع من العقود.
أهداف البحث:
1) إلقاء الضوء على موضوع الزواج العرفي من الوجهة الشرعية والقانونية.
2) بيان موقف علماء الشريعة ورحال القانون والقضاء في موضوع الزواج العرفي والآثار والأحكام المترتبة عليه.
3) بيان سعة الشريعة – بنصوصها وقواعدها العامة القائمة على جلب المنافع ودرء المفاسد – في تقبل كل واقعة جديدة من أجل بيان حكمها لاسيما في زمان فسدت فيه الذمم، وتجرأ الناس على الدين.
سؤال البحث:
1) هل يمكن اعتبار ظاهرة انتشار الزواج العرفي كنازلة من النوازل المستجدة ضرورة عصرية ملحة تتوافق مع الضوابط الشرعية والقانونية.
2) في ضوء انتشار ظاهرة الزواج العرفي، فهل نجح في تجاوز مشكلات الزواج المعاصرة في الواقع العملي للأسرة المسلمة.
أهمية أختيار الموضوع:
أولا: تكمن أهمية موضوع البحث في كونها تتطرق إلى نازلة مستجدة تحتاج إلى بيان من علماء الشريعة والقانون.
ثانيا: يحاول البحث الوصول إلى آراء علماء الشريعة والقانون في هذه المسألة مع بيان الأبعاد والآثار المترتبة عليها.
ثالثا: يحاول البحث الكشف عن كيفية تعامل الهيئات التشريعية والقانونية فيما يخص هذه المسألة من خلال الدراسات الشرعية والقوانين الوضعية في باب الذي يخص الأحوال الشخصية.
رابعا: كون موضوع البحث – الزواج العرفي – يتطرق لمسألة مهمة وخطيرة يترتب عليها بنيان الأسرة التي هي أساس المجتمع المسلم.
أسباب اختيار الموضوع:
أولا: التوجيه السديد من قبل الدكتور – خالد محمود – في اختيار البحث.
ثانيا: الرغبة في التعرف على ما توصلت إليه قريحة علماء الشريعة والقانون في هذه المسألة وجمع ما تفرق في موضوع البحث بجوانبه المتعددة.
ثالثا: التعرف على الجوانب المشكلة في أنواع الزواج العرفي والتي قد ينجم عنها الوقوع في الحرام.
رابعا: إن الوقائع المستجدة تستدعي من أي باحث إجراء دراسة لبيان الحق فيها ودحض كل ما يشوبها من باطل.
خامسا: الرغبة في الموازنة بين الشرع والقانون فيما يخص الزواج العرفي، وبيان نقاط الألتقاء والأختلاف بينهما؟
سادسا: الرغبة في أن أقدم لنفسي أولا وللقارىء ثانيا دراسة نطلع من خلالها على الشرع في مثل هذه النازلة المستجدة في واقع المسلمين، وبمنهجية بحثية علّها جديدة.
منهجية البحث:
لقد وضعت نصب عيني منهجا للبحث أوجزه فيما يلي:
1) لقد أخذت على نفسي الرجوع إلى المراجع والمصادر المعتمدة في باب الأحوال الشخصية لاسيما فيما يخص مسألة الزواج العرفي من الناحية الشرعية والقانونية.
2) حرصت ما أمكن على هو البحث من الحشو والتكرار لاسيما فيما يتعلق بالأدلة والأقوال، إلا ما اضطررت إلية.
3) عزرت جميع الآيات والأحاديث النبوية إلى مظانها المعتبرة.
4) الفهارس أو المسارد: لقد ضمنت هذا البحث مجموعة من الفهارس تساعد القارىء على الرجوع إلى مبتغاه منها بيسر وسهولة، وهذه الفهارس هي:
أ‌. وضعت فهرسا الآيات القرآنية الواردة في سياق البحث، وقد رتبتها حسب وقوعها في القرآن الكريم، ذاكرا اسم السورة ورقم الآية، وأرقام صفحات ورودها في البحث.
ب‌. وضعت فهرسا للأحاديث الموجودة في المتن، ورتبته ترتيبا ألفبائيا وفق حروف المعجم.
ج‌. وضعت فهرسا للمصادر والمراجع المعتمدة في البحث، وقد صنفتها تصنيفا ألفبائيا وفق حروف المعجم، متقيدا في توثيقها بالطريقة الأسلوب المطروح في خطة الكلية.
د‌. التزمت في التوثيق الداخلي للمصادر والمراجع طريقة التوثيق ضمن متن البحث.
هـ. وضعت فهرسا لمحتويات البحث وموضوعاته، وقد رتبته حسب ما ورد في البحث مع ذكر أرقام الصفحات المقصودة، وذلك بدأ من المقدمة وحتى خاتمة البحث.
إن مسألة الزواج العرفي مسألة قد تعرض إلى بحثها الكثير من العلماء المعاصرين، وكانت لهم أبحاث ودراسات قيمة كان لها الأثر في بيان هذه المسألة من الوجهة الشرعية والقانونية، وإلقاء الضوء على الآثار المترتبة على هذا النوع من الزواج في هذا العصر، ومن أهم هذه الأبحاث والدراسات.

الأبحاث والدراسات السابقة:
1) بحث أجراه الدكتور هلال يوسف إبراهيم بعنوان: "أحكام الزواج العرفي".
2) خصص الدكتور أسامة عمر سليمان الأشقر في كتابه: "مستجدات فقهية في الزواج والطلاق" مبحثا مستقلا بيّن فيه حكم وآثار الزواج العرفي.
3) بحث أجراه المحامي كمال صالح البنا بعنوان: "الزواج العرفي ومنازعات البنوة".
4) بحث أجراه الدكتور حامد عبد الحليم الشريف بعنوان "الزواج العرفي".
خطة البحث:
قمت في تقسيم البحث إلى مقدمة وأربعة فصول وخاتمة عارضا فيها أهم النتائج التي توصلت إليها. وقد قسمت كل فصل إلى عدة مباحث هي كالآتي:
الفصل الأول: ثلاثة مباحث.
الفصل الثاني: ثلاثة مباحث.
الفصل الثالث: مبحثان.
الفصل الرابع: خمسة مباحث.
وقد جاءت خطة البحث مفصلة على النحو التالي:
المقدمة.
الفصل الأول: حقيقة الزواج العرفي.
المبحث الأول: التعريف بالزواج العرفي.
المطلب الأول: العرف في اللغة.
المطلب الثاني: العرف في الأصطلاح.
المطلب الثالث: تعريف الزواج العرفي باعتباره علما.
المطلب الرابع: السبب في تسمية الزواج بالعرفي.
المبحث الثاني: النظر في تاريخ توثيق عقود الزواج بالكتابة.
المبحث الثالث: الأسباب التي أدت إلى انتشار الزواج العرفي.


الفصل الثاني: موقف الشريعة من الزواج العرفي.
المبحث الأول: شروط صحة الزواج العرفي.
المطلب الأول: الشهادة على الزواج.
المطلب الثاني: اشتراط الولاية في زواج المرأة.
المبحث الثاني: مسميات عقود الزواج.
المبحث الثالث: الكيفية التي يتم بها عقد الزواج العرفي.

الفصل الثالث: وقف القوانين الوضعية من الزواج العرفي.
المبحث الأول: الزواج العرفي في قوانين الأحوال الشخصية في الدول العربية.
المبحث الثاني: تسجيل الزواج والطرق في إسرائيل.

الفصل الرابع: الآثار المترتبة على الزواج العرفي.
المبحث الأول: حكم النسب في الزواج العرفي.
المبحث الثاني: الطلاق في الزواج العرفي.
المبحث الثالث: الحقوق المتبادلة بين الزوجين في الزواج العرفي.
المبحث الرابع: الآثار الاجتماعية للزواج لعرفي.
المبحث الخامس: كيفية الحد من انتشار الزواج العرفي.

الخاتمة.
فهرس الآيات القرآنية.
فهرس الأحاديث النبوية.
قائمة المصادر والمراجع.
وفي ختام هذه المقدمة: أرجو من الله العظيم أن أكون قد وفقت فيما بذلت في إنجاز هذا البحث المتواضع، وأساله عز وجل أن يكتب لي القبول الحسن عنده وأن يجعله في خدمة شريعته وإعلاء كلمته.
وصلِِّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.
والحمد لله رب العلمين
























الفصل الأول

حقيقة الزواج العرفي

وفيه ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: التعريف بالزواج العرفي.
المبحث الثاني: النظر في تاريخ توثيق عقود الزواج بالكتابة.
المبحث الثالث: الأسباب التي أدت إلى انتشار الزواج العرفي.














المبحث الأول:

التعريف بالزواج العرفي.

وفيه أربعة مطالب:

المطلب الأول: العرف في اللغة.
المطلب الثاني: العرف في الاصطلاح.
المطلب الثالث: تعريف الزواج العرفي باعتباره علما.
المطلب الرابع: السبب في تسمية الزواج بالعرفي.






المطلب الأول: التعريف اللغوي لكلمة (العرفي):
هذه الكلمة مأخوذة من "العرف"، وتعني في معاجم اللغة العلم، فيقال: "عرفه يعرفه عرفة وعرفا ومعرفة واعترفه. والمعروف ضد المنكر. والعرف: ضد النكر" (إبن منظور، أو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم، لسان العرب، بيروت، دار صادر، ط 1، 1990، 9/236).
المطلب الثاني: أما المعنى في اصطلاح الأصوليين:
يقول عبد الوهاب خرف في تعريفه: "العرف هو ما تعارفه الناس وساروا عليه، من قول، أو فعل، أو ترك، ويسمى العادة". (الخياط، عبد العزيز، نظرية العرف، عمان، مكتبة الأقصى، ص 24).
المطلب الثالث: تعريف الزواج العرفي باعتباره علما:
1. يعرف الزواج العرفي بأنه ذلك الزواج الذي استوفى شروطه الشرعية جون أن يوثق رسميا وقد أطلق عليه العامة بالزواج العرفي. (ألبنا، كمال صالح، الزواج العرفي ومنازعات البنوة، القاهرة، 2002، ص 6).
وقد عرفته مجلة البحوث الفقهية باعتباره علما على معنى محدد فقالت: "هو اصطلاح حديث يطلق على عقد الزواج غير الموثق بوثيقة رسمية، سواء أكان مكتوبا أو غير مكتوب" (مجلة البحوث الفقهية، العدد 36، السنة 9، ص 193، 1997 – 1998).
تظهر لنا التعريفات السابقة أن الزواج العرفي زواج شرعي لا يختلف عن الزواج المعتبر شرعا، ويختلف عن الزواج الرسمي بأنه زواج غير موثق، فلا يلزم التوثيق فيه، أما الزواج الرسمي يلزم فيه التوثيق حتى يكون معتبرا في دوائر الدولة الرسمية والحقوقية.
المطلب الرابع: السبب في تسمية الزواج بالعرفي:
المعروف في الشريعة الإسلامية أن كل عرف تعارف عليه الناس بينهم وأقره الشارع الحكيم فهو عرف صحيح. فالزواج العرفي – كما أسلفنا – هو ذلك الزواج الذي استوفي الأركان والشروط المعتبرة شرعا، ولم يجر فيه التوثيق وجرت العادة على ذلك، والشرع بدوره أقره ولم ينفه في أي وقت من الأوقات طالما حقق الأركان والشروط.
التعريفات السابقة وما هو معتبر في عرف الزواج الذي جرت عليه عادة الناس وأقرته الشريعة وما سن من القوانين الوضيعة تفرض علينا التساؤل حول أهمية التوثيق لعقود الزواج وما تقتضيه المصلحة المعتبره شرعا وعقلا، وأبعاد هذه المصلحة.











المبحث الثاني:

النظر في تاريخ توثيق عقود الزواج بالكتابة.













لقد اقتصر المسلمون في العصور الأولى بإنشاء عقد الزواج وفق ألفاظ مخصوصة تتضمن الإيجاب والقبول، وحضور ولي الأمر والشهود.
لكن مع تقدم الزمان وما يطرأ على الناس من عوارض النسيان والغفلة وحقيقة الموت، أصبحوا يرون لزاما تدوين وتوثيق عقودهم وخاصة عقد الزواج الذي تقوم عليه حياة أسرة بأكملها، فجاءت الدولة بقوانينها لتنظم قضية الإلزام بالتوثيق وفق تنظيم دستوري معين. (مجلة البحوث الفقهية، العدد 36، ص 194).
كما هو معلوم عدم نكران تغيير الأحكام بتغيير الأزمان، واعرف الجاري يطرأ عليه التغيير ما دام أن هذا التغير جاء مصاحبا ومصلحة معتبرة شرعا والمتمثلة في إثبات وتوثيق الحقوق الزوجية في حالة طروء عوارض الغفلة والنسيان أو الموت.
بدأ توثيق عقود الزواج عندما بادر المسلمون إلى تأخير كل المهر أو بعضه، وهذه الوثيقة كانت بمثابة إثبات حق الصداق وكذلك الزواج نفسه. يقول ابن تيمية في مجموع الفتاوى: "لم يكن الصحابة يكتبون (صداقات) لأنهم لم يكونوا يتزوجون على مؤخر، بل يعجلون المهر، وان أخروه فهو معروف، فلما صار الناس يزوجون على المؤخر والمدة تطول مما قد يؤدي إلى النسيان صاروا يكتبون المؤخر وصار ذلك حجة في إثبات الصداق وفي أنها زوجة له" (ابن تيمية، تقي الدين احمد، مجموع الفتاوى، تحقيق: عامر الجزار وآخرون، المنصورة، دار الوفاء، ط 1. 1997. 131/32).
1. أما عن توثيق عقد الزواج فقد دلت السنة على وجوب توثيقه بالأشهاد لقوله عليه الصلاة والسلام: "لا نكاح إلا بولي وشاهدين" (الهيثمي، علي بن ابي بكر، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، بيروت، دار الكتاب، 286/4).
فالحديث يشير إلى وجوب توثيق الزواج من خلال حضور شاهدين حتى يشهر الزواج عبر نقلها لخبره لسائر الناس لنفي التهمة وحفظ الحقوق الزوجية ودفع الإنكار.
فإذا كان محصلة الأشهاد ايجابية فكان التوثيق بالكتابة والتدوين ادعى لإشهار الزواج واثبات الحقوق ودفع الإنكار لمدة طويلة، خاصة إذا قلنا قوانين الدولة تقوم على حفظ قدسية الزواج إلى أمد أطول بالرغم من موت الشهود وأولياء الأمور. (الأشقر، أسامة عمر سليمان، مستجدات فقهية في قضايا الزواج والطلاق، عمان، دار النفائس، ط 1، 2000، ص 134).
يتضح لنا مما سبق أن توثيق الزواج جاء من باب السياسة الشرعية، يقول في ذلك عبد الفتاح عمرو: "فالتوثيق لدى المأذون أو الموظف المختص نظام أوجبته اللوائح والقوانين الخاصة بالمحاكم الشرعية، خشية الجحود وحفظا للحقوق، وحذرت من مخالفته لما له من نتائج خطيرة من النكران". (عمرو، عبد الفتاح، السياسة الشرعية في الأحوال الشخصية، عمان، دار النفائس، ط 1، 1996، ص 43).
ويقول محمد عقلة: "غير أن هذه الحقيقة لا تمنع من أحداث تنظيمات شكلية أو إدارية بقصد حماية الزوجية، والمحافظة على مصالح العقد، كما لا تتعارض مع من قانون تراه الدولة مفيدا بقاعدة التطور، وأخذا بالأساليب الحديثة في التدوين والتسجيل". (عقلة، محمد، نظام الأسرة في الإسلام، عمان، مكتبة الرسالة، ط 2، 1989، 1/394).
من هنا ذهبت قوانين الأحوال الشخصية المعمول بها في الدولة إلى وجوب تدوين وتوثيق عقود الزواج والتي اسماها الفقهاء المعاصرون بالشروط القانونية (الأشقر، مستجدات فقهية في قضايا الزواج والطلاق، 134).
2. ويعرف علي حسب الله الشروط القانونية بأنها: "شروط يضعها المشرع الوضعي لجلب مصلحة أو دفع مضرة"، ثم يوضح طبيعة هذه الشروط فيقول: "الشرط القانوني ليس شرط صحة ولا نفاذ ولا لزوم، لأن المشرع الوضعي ليس له أن ينشأ حكما شرعيا دينيا يحل حراما أو يحرم حلالا، بن هو شرط يترتب عليه أثر فلا دخل له في الحكم الشرعي الديني (حسب الله، علي، الزواج في الشريعة الإسلامية، دمشق، دار الفكر العربي، ط 1، 1971، ص 78).























المبحث الثالث

الأسباب التي أدت إلى انتشار الزواج العرفي














لعل السؤال الذي يدور في ذهن الجميع عن الأسباب والعوامل التي تدفع الرجل أو المرأة إلى الزواج عرفيا، على الرغم من أن لوائح ترتيب المحاكم الشرعيه تنص: "لا تسمع عند الإنكار دعوى الزوجية أو الإقرار بها إلا إذا كانت ثابتة بوثيقة زواج رسمية..." (بخيت، مغاوري السيد أحمد الإسلام وبناء الأسرة القاهرة – مصر، دار النهضة العربية، 1418 هـ ء 1998م، ص 181).
إن هذا السؤال يستلزم من الباحثين الكثير من البحوث والإحصائيات الدقيقة عن حالات الزواج العرفي، ولعل من أهم الصعوبات التي تواجه الباحثين في هذا المجال هي أن كثيرا من  حالات الزواج العرفي تكون غير معلنة، الأمر الذي جعل البعض يطلق عليه اسم: "الزواج السري".
يبين القاضي الشرعي حامد عبد الحليم الشريف الأسباب التي أدت إلى انتشار لزواج العرفي (الشريف، حامد عبدالحليم، الزواج العرفي، القاهرة، مكتبة الدار البيضاء، ص 9، مغاوري، الإسلام وبناء الأسرة، ص 184):
أول هذه الأسباب: هو القيود التي فرضتها قوانين الأحوال الشخصية على الأزواج ومن ذلك:
"القيود التي تمثلت في حق الزوجة في طلب بالحالة التي يتزوج عليها زوجها، لما يقع عليها من الضرر اثر هذا الزواج الثاني، وأيضا حق الزوجة الثانية في حالة إذا  ما كانت لا تعلم أن زوجها متزوج بأخرى من قبل، بالإضافة إلى القانون قد أوجب على الزوج أن يقوم بإعلان وإخطار زوجته بالزواج الثاني، وإذا أضفنا إلى ما تقدم أن القانون قد أعطى للمطلقة الحاضنة أن تستقل بمسكن الزوجية هي وطفلها، ونحن نعلم كيف يدبر الزوج المسكن في هذا العصر، أن القانون في حد ذاته وبنصوصه التي قيدت الزواج يقف عقبة أمام إتمام حالات كثيرة من حالات الزواج".
السبب الثاني: الصعوبات التي تحيط بكثير من الشباب، يقول القاضي الشريف: "إن هذه الصعوبات تتمثل في النواحي الآتية:
1. غلاء المهور والمبالغة في تكاليف الزواج.
2. عائق الدراسة التي يضطر الطالب والطالبة في أرواء الناحية الغرائزية بصورة غير مشروعة.
3. قلة أجور العمل وانتشار البطالة وغلاء المعيشة وعدم توافر السكن الملائم، وتدخل النساء في كثير من المجالات بحيث لم يبق للرجال يعملون فيه.
السبب الثالث: ضعف الوازع الديني، وهذا الأمر دفع الشباب وغيرهم في الوقت الحاضر إلى اللجوء للزواج غير الرسمي (العرفي) الذي يتحلل فيه الزوج من كثير من القيود، وذلك في الوقت الذي يعصم فيه من الخطأ ويعصم نفسه من مباشرة علاقات غير مشروعة.
السبب الرابع: رغبة احد الطرفين في إخفاء الزواج بسبب التفاوت في المستوى الاجتماعي لأحدهما.
السبب الخامس: الرغبة بالاقتران بزوجة أخرى دون إشعار زوجته الأولى بالأمر، حفاظا على تماسك أسرته الأولى وترابطها.
السبب السادس: الضرورات المادية التي تدفع البعض إلى إخفاء الزواج الجديد للمحافظة على دخله الذي يتلقاه لأسباب معينة من دوائر الدولة المختلفة "معاش أولاد المتوفى، تعويض، ...".
السبب السابع: هروبا من الالتزامات التي يفرضها الزواج الرسمي.
السبب الثامن: المكانة الأدبية والعلمية للزوج وخاصة إذا كان متزوجا من قبل ويبغي الاقتران بمن هي دونه في المستوى الاجتماعي.




























الفصل الثاني

موقف الشريعة من الزواج العرفي 

وفيه مباحث:

المبحث الأول: شروط صحة الزواج العرفي.
المبحث الثاني: مسميات عقود الزواج.
المبحث الثالث: الكيفية التي يتم بها عقد الزواج العرفي.














المبحث الأول:

شروط صحة الزواج العرفي.

وفيه مطلبان:

المطلب الأول: الشهادة على الزواج.
المطلب الثاني: اشتراط الولاية في زواج المرأة.




إذا قلنا أن قوانين الدولة اليوم توجب توثيق الزواج في الدوائر الرسمية المعنية في توثيق عقود الزواج المتعامل بها في الحاضر، فلا بد وان نشير إلى مسميات عقود الزواج ونتطرق إليها من باب التوضيح والتفريق، لكن بدء من بيان شروط انعقاد الزواج العرفي حتى يتسنى لنا معرفة العقود الصحيحة من الباطلة أو الفاسدة:
إن الشروط العامة التي وضعها الفقهاء لأنعقاد وصحة عقد الزواج هي ذاتها اللازمة لصحة وانعقاد الزواج العرفي، لأنه في الحقيقة لا فرق من الناحية الشرعية بين الزواج العرفي والزواج الرسمي الموثق طالما كانت الشروط الشرعية المنصوص عليها متوافرة في أي منهما والمتمثلة في توافر الإيجاب والقبول الصحيحين اللازمين لأي عقد من العقود، ومن شروط الإيجاب والقبول اللازمين لأنعقاد العقد (مغاوري، الإسلام وبناء الأسرة، ص 195):
1) أن يكون كل من العاقدين مميزا.
2) اتحاد مجلس الإيجاب والقبول.
3) عدم رجوع الموجب عن الإيجاب قبل القبول.
4) موافقة القبول للإيجاب.
5) ألا يصدر عن العاقد الثاني (صاحب القبول) بعد الإيجاب ما يدل على الإعراض.
كما ذكرنا سابقا، فإن الشروط العامة للزواج عموما لم تستلزم أن يكون عقد الزواج مكتوبا، أو غير مكتوب، أو موثقا، أو غير موثق، أو عرفيا، أو غير ذلك .. فتلك الشروط واحدة في أي زواج (ألبنا، الزواج العرفي ومنازعات النبوة، ص 4).
المطلب الأول: الشهادة على الزواج:
2. تعتبر الشهادة في عقد الزواج شرطا لصحته، فلا يصح بلا شهادة اثنين غير الولي (الزحيلي، وهبه، الفقه الإسلامي وأدلته، دمشق، دار الفكر، ط 3، 1989، 70/7)، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا نكاح إلا بولي وشاهدين" (الهيثمي، علي بن ابي بكر، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، بيروت، دار الكتاب، 4/286).
فالشهادة في ذلك حفظ لحقوق الزوجة والولد لئلا يجحدها الزوج، وتدرأ التهمة عن الزوجين، وكل ذلك بيان لخطورة الزواج وأهميته.
شروط الشهادة (مغاوري، الإسلام وبناء الأسرة، ص 200):
*) أن تكون برجلين أو برجل وامرأتين: قال تعالى: وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء... (البقرة/282).
*) أن يكون كل من الشاهدين بالغا عاقلا حرا.
*) أن يسمعا عبارة العقدين، فلا تصح شهادة الأصم، ولا النائم، ولا الشكران في وقت العقد.
*) أن يكونا مسلمين.


المطلب الثاني: اشتراط الولاية في زواج المرأة:
لا بد لصحة عقد الزواج أن تكون المرأة محلا له، أي أن تكون غير محرمة على الرجل الذي يريد الزواج منها، سواء كان سبب التحريم على سبيل التأبيد، أو على سبيل التأقيت، وعليه فإنه قد حصل الاختلاف بين الصحابة والتابعين وبين المذاهب الأربعة بشأن ضرورة اشتراط الولي في النكاح وعدم اشتراطه، فالفقهاء لهم رأيان في انعقاد الزواج بعبارة النساء:
يرى الحنيفة أنه يصح العقد بعبارتها بدون ولي. (إبن الهمام، كمال الدين محمد بن عبد الواحد، شرح فتح القدير على الهداية، بيروت، دار الكتب العلمية، ط1، ج2، 1420 هـ ء 2000 م، 2/98).
واستدل الحنيفة بقوله تعالى: "وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ" (البقرة / 232)، ورأوا في هذه الآية أن وجه الاستدلال فيها أنها أضافت العقد إلى المرأة حيث صرحت "ينكحن" من غير شرط الولي (مغاوري، الإسلام وبناء الأسرة، 422).
واستدلوا أيضا بقوله تعالى: "وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ" (البقرة / 220)، وجه الاستدلال في هذه الآية أنها جاءت للنهي عن النكاح المشركين لا لبيان حكم الأولياء (المغاوري، الإسلام وبناء الأسره، 424).
واستدلوا أيضا بقوله تعالى: "فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ" (البقرة / 229)، وجه الاستدلال في هذه الآية على عدم ضرورة اشتراط الولي هو إضافة لفظ النكاح "تنكح" إلى ذات المرأة (مغاوري، الإسلام وبناء الأسرة، 425).
ويرى الجمهور أنه يبطل العقد دون ولي. (الدردير، أبو البركات أحمد، الشرح الصغير على اقرب المسالك، حققه: كمال المرصفي، 1989، 2/353. وابن جزي، محمد بن أحمد، القوانين الفقهية، 198، الشيرازي، أبو إسحاق، المهذب في فقه الإمام الشافعي. دار القلم، دمشق، ط1، 1417 هـ ء 1996م، 2/35، الشربيني، محمد، مغني المحتاج إلى معرفة معاني المنهاج. القاهرة، مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، 1985، 3/147، البهوتي، كشاف القناع، 5/49، ابن قدامة، موفق الدين أبو محمد عبد الله بن احمد، المغني، تحقيق: عبد الله تركي وآخرون، القاهرة، مطبعة هجر القاهرة، ط 1، 1989، 6/449).
واستدل الجمهور بقوله تعالى: "وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ" (البقرة / 232)، قال الشافعي رحمه الله: "هذه أبين آية في كتاب الله تعالى دلالة على أن ليس للمرأة أن تتزوج بغير ولي" (الشافعي، محمد بن إدريس، كتاب الأم، 7/163).
واستدلوا بقوله تعالى: "وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ" (البقرة / 220)، فالخطاب موجه في هذه الآية الأولياء حتى ينتهوا عن أن ينكحوا المولى عليها (الفتاة) من المشركين لما في ذلك من الضرر على المسلمة (القرطبي، أحكام القرآن، 880).
إلى الحديث: "لا نكاح إلا بولي" (الترمذي، أبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة، الجامع الصحيح وهو سنن الترمذي، تحقيق، إبراهيم عطره عوض، دار التراث العربي 3/407).
وحديث عائشة: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل فان دخل فلها المهر بما استحل من فرجها، فان اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له" (ابن حنبل، المسند للإمام أحمد بن حنبل، تحقيق: عبد الله محمد الدرويش، ط1، 1411هـ ء 1991، دار الفكر، بيروت – لبنان، 6/66).
وقال الجمهور: أن الزواج عقد خطير دائم ذو مقاصد متعددة، من تكوين الأسرة وتحقيق استقرارها وغيرها، والرجل بما لديه من خبرة واسعة في شؤون الحياة أقدر على مراعاة هذه المقاصد. أما المرأة فخبرتها محدودة، وتتأثر بظروف وقتية، فمن المصلحة لها أن تفوض وليها في إنشاء عقد الزواج. (الزحيلي، وهبه، الفقه الإسلامي وأدلته، 7/195).
والرأي المعتبر هو رأي الجمهور، فلا نكاح إلا بولي، المرأة لا تملك تزويج نفسها ولا غيرها، ولا توكيل غير وليها في تزويجها، فإن فعلت وان كانت بالغة عاقلة رشيدة، لم يصح النكاح.























المبحث الثاني

مسميات عقود الزواج























أولا: الزواج الشرعي: هو الزواج الذي استوفي الأركان والشروط لإنشاء عقد زواج القائم على حلية الاستمتاع، لكن هذا الزواج لم يوثق رسميا، والزواج العرفي بهذا التعريف يدخل تحت هذا المسمى بكل مقتضيات حليته طالما قد حقق الأركان والشروط المعتبرة.

ولقد أجاب حسنين مخلوف في زواج توافرت فيه شروط العقد وأركانه، ونص السؤال: "هل إذا عقد الزوجان زواجهما بإيجاب وقبول شرعيين وبحضور شاهدين مستوفيين للشرائط الشرعية بدون إثبات العقد في وثيقة رسمية لدى المأذون أو الموظف المختص، يكون زواجا شرعيا وتحل به المعاشرة بينهما، أو لا بد من إثباته في الوثيقة الرسمية؟؟".

أجاب مخلوف عن هذا بقوله: "عقد الزواج إذا استوفى أركانه وشروطه الشرعية تحل به المعاشرة بين الزوجين، وليس من شرائطه الشرعية إثباته كتابة بوثيقة رسمية أو غير رسمية، وإنما التوثيق لدى المأذون أو الموظف المختص نظام أوجبته اللوائح والقوانين الخاصة بالمحاكم الشرعية خشية الجحود وحفظا للحقوق، وحذرت من مخالفته لما له من النتائج الخطيرة عند الجحود". (مخلوف، محمد حسنين، فتاوى شرعية وبحوث إسلامية، القاهرة، دار الاعتصام، 2/55).

نجد هذا الزواج مستوفيا لشرطي صحة العقد المتمثل بالأشهاد والولاية فهو بذلك زواج شرعي، إلا أن الدائرة الرسمية لا تعترف به كزواج انشأ ضمن إطارها الرسمي فلا يكون زواجا رسميا إلا وثق ودون في الدائرة الرسمية.

ثانيا: الزواج الرسمي: هو الزواج الذي تصدر به وثيقة رسمية من الدولة، وقد عرف رجال القضاء المعاصرون الوثيقة الرسمية بأنها: "ما يصدر عن موظف مختص بمقتضى وظيفته بإصدارها" (الأشقر، مستجدات في قضايا الزواج والطلاق، 132).

الملاحظ حسب تعريف الوثيقة يجد أنها لا تقبل الجحود أو النكران، فهي مثبتة للعقد وتبعياته وغير قابلة للطعن البتة. هذا التعريف يظهر الفرق بين الزواج الرسمي والعرفي، فالفرق البائن أن الزواج العرفي يقبل الطعن والجحود والنكران، وان اثبت بالشهود أو بوثيقة عرفية بين المتعاقدين (الزوجين). بقول عبد الفتاح عمرو: "العقد العرفي يعتبر كالورقة العرفية التي تقبل الطعن والتزوير  والإنكار، أما العقد الرسمي فهو كالوثائق الرسمية التي لا تقبل الطعن بالإنكار" (عمرو، عبد الفتاح، السياسة الشرعية في الأحوال الشخصية، 43).

نجد العقد وفق ما بيناه في مطلب شرط الأشهاد والولاية مستوفيا لهذين الشرطين، واخذ ثبوتيته من الدائرة الرسمية.

ثالثا: الزواج السري: هنالك بعض الكتب والمقالات التي تخلط بين الزواج العرفي والسري، هذا التداخل بين المفهومين قائم لعدم معرفة الفرق بينهما، ومن اجل فك هذا التداخل لا بد من التطرق لصور هذا الزواج:

الصورة الأولى: أن الزواج الذي يتم بدون ولي وشاهدين فهو باطل وما بني على باطل فهو باطل، والنكاح السري. الذي تعارف عليه طلاب الجامعات والكليات تلبية لغرائزهم المكبوتة والتفافا على الشرع والقانون. فهو زواج قد تم بإيجاب وقبول من طرفين فقط (الزوجين)، وخلا من ولي المرأة وشاهدين، وهذا العقد باطل باتفاق الجمهور وفي ذلك يقول ابن تميمة: "نكاح السر الذي يتواصى بكتمانه ولا يشهدون عليه احد باطل عند عامة العلماء، وهو من جنس السفاح" (ابن تيمية، تقي الدين، مجموع الفتاوى، 33/158)، ولا يجو في هذه الحالة تسميته بالزواج العرفي (الأشقر، مستجدات فقهية في قضايا الزواج والطلاق، 137).

الصورة الثانية: إذا تم عقد النكاح بحضور الولي والشهود وتواصوا فيما بينهم على عدم البوح به وإشهاره، فهذا النوع من النكاح العرفي جائز عند الإمام أبي حنيفة والشافعي واحمد، لأن السرية عندهم تزول بالأشهاد، وأشهاد رجلين هو الحد الأدنى الإعلان الذي يصح به النكاح. (الكاساني، علاء الدين بن أتي بكر بن مسعود. بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، بيروت، دار الكتاب العربي، ط 2، 1982. 2/252، النووي، شرف الدين، روضة الطالبين وعمدة المغنين، بيروت، المكتب الإسلامي، ط 3، 1991، 7/45، وابن قدامة. موفق الدين، المغني، 9/347). أما الإمام مالك (الدسوقي، شمس الدين محمد عرفة، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، القاهرة، مكتبة زهران، 2/236، الدردير، الشرح الصغير، 2/336). فيرى أن النكاح الذي يوصي فيه الزوج الشهود بكتمه عن امرأته أو عن جماعة ولو أهل منزل، يفسخ بطلقة بائنة إن دخل الزوجان، كما يتعين فسخ النكاح بدخول الزوجين بلا أشهاد، ويحدان معا حد الزنا جلد أو رجما إن حدث وطء وأقا به، أو ثبت الوطء بأربعة شهود كالزنا، ولا يعذران بجهل.

ولكن لا يجب الحد عليهما إن فشا النكاح وظهر بنحو ضرب دف أو وليمة أو بشاهد واحد غير الولي، أو بشاهدين فاسقين ونحوها للشبهة، لقوله صلى الله عليه وسلم: "ادرءوا الحدود بالشبهات" (ابن حجر العسقلاني، أبو الفضل احمد بن علي، تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، 1384 هـ ء 1964، 4/56)،

والمعتبر هنا رأي الجمهور لان العقد قد اكتملت أركانه وشروطه المعتبرة في إنشاء عقد النكاح، وان تم كتمانه، ولكن وكما اشرنا سابقا في موضوع النكاح الرسمي فان هذا النوع من الأنكحة هي عرضة للجحود والنكران في حالة موت الولي أو الشهود، وكذلك عوارض النسيان أو الغفلة التي قد تعتري الشهود، لذا جاء التوثيق والتدوين من باب السياسة الشرعية لإبعاد هاجس الجحود والإنكار.

الصورة الثالثة: العقد العرفي الذي تم بإيجاب وقبول بين رجل وامرأة وبشاهدين من غير ولي باطل عند الجمهور – وقد أشرنا إلى ذلك في موضوع اشتراط الولاية والشهادة في عقد الزواجـ،  لأن الولاية شرط في صحة إنشاء العقد، وكونه سريا لخلوه من ولي الأمر في الإنكاح.

أما أبو حنيفة فيرى أنه لا يبطل العقد بخلوه من ولي الأمر، ولكنه يرى أن من حق الولي مطالبة القاضي بفسخ العقد إذا كان الزوج غير كفء (ابن عابدين، محمد أمين، حاشية رد المحتار على الدر المختار مطبعة البابي الحلبي، ط 2، 1966، 2/418 – 420. 363).

المعتبر في هذه المسألة هو رأي الجمهور لاعتبارية اشتراط الولاية، وأن المرأة لا تملك حق تزويج نفسها أو توكيل غير وليها في تزويجها – وقد أشرنا إلى ذلك عند الحديث عن اشتراط الولاية في صحة النكاح ـ.


















المبحث الثالث


الكيفية التي يتم بها عقد الزواج العرفي





























صور إجراء هذا العقد متعددة، فقد ذكرت مجلة البحوث الإسلامية نقلا عن الأستاذ هلال يوسف إبراهيم في كتابه (الزواج العرفي) أن: "من صور إجراءه كتابة عقد يتضمن إقرار الزوج والزوجة بأهليتهما للتعاقد والتصرف وخلوهما من كافة الموانع الشرعية، ويدون هذا العقد أسماء الشهود فيقر الزوج (يسمى باسمه) وبعد إيجاب وقبول، ويجيب أنه قد قبل الزواج من الزوجة (تسمى باسمها) زواجا شرعيا على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وعملا بأحكام الشريعة الإسلامية. كما تقر الزوجة (تسمى باسمها) بعد إيجاب وقبول صريحين أنها قبلت الزواج من الزوج (يسمى باسمه) زواجا شرعيا على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وعملا بأحكام الشريعة الإسلامية.

ويذكر في العقد أن الطرفين اتفق على صداق قدره (كذا)، كما يتضمن العقد أن الطرفين أقرا بقبولهما جميع أحكام هذا العقد بما تقتضي الشريعة الإسلامية وما يترتب عليه وخاصة البنوه والنسب، إذ أن لأولادهما ثمرة هذا الزواج ولهم جميع الحقوق الشرعية والقانونية". (مجلة البحوث الفقهية، العدد 36، السنة 9، ص 194 – 195، 1997 – 1998).

ومن صور عقد الزواج العرفي: (أخذت صورة هذا العقد من كتاب: إبراهيم، هلال يوسف، أحكام الزواج العرفي، الإسكندرية، دار المطبوعات الجامعية، 1995، ص 108 – 109).

عقد الزواج العرفي

أنه في يوم ــــــــــ الموافق ـــــــــــــــ

تحرر بين كلا من:

أولا: السيد / ــــــــــــ المقيم ــــــــــ، الديانة ــــــــــــ
الجنسية ــــــــــــــــــ
(زوج – طرف أول

ثانيا: السيدة / ـــــــــــ المقيمة ـــــــــــــ، الديانة ـــــــــ 
الجنسية ــــــــــــــ
(زوجة – طرف ثاني)

بعد أن أقر الطرفان بأهليتهما بالتعاقد والتصرف وخلوهما من كافة الموانع الشرعية إتفقا أمام الشهود المذكورين بهذا العقد وبعد تلاوته باللغة ــــــــــ على الزوجة – الطرف الثاني – إتفقا على ما يأتي:

البند الأول:
يقر الطرق الأول بعد إيجاب وقبول صريحين بأنه قد قبل الزواج من الطرف الثاني زواجا شرعيا على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وعملا بأحكام الشريعة الإسلامية، كما تقر الطرف الثاني بعد إيجاب وقبول صريحين بأنها قد قبلت الزواج من الطرف الأول زواجا شرعيا على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وعملا بأحكام الشريعة الإسلامية مع احترام ديانة الزوجة الطرف الثاني.

البند الثاني: تقر الطرف الثاني صراحة بأنها قبلت الزواج برضا تام وفقا لأحكام الشريعة الإسلامية مع الاحتفاظ بديانتها.

البند الثالث: اتفق الطرفان على صداق قدره ـــــــــ دفع من الطرف الأول في مجلس العقد للطرف الثاني والمؤخر مبلغ ــــــــــ يحل بأقرب الأجلين.

البند الرابع: يقر الطرفان بقبولهما جماع أحكام هذا العقد بما تقضي به الشريعة الإسلامية وما يترتب عليه من آثار قانونية وخاصة البنوة إذ أن لأولادهما ثمرة هذا الزواج لهم جميع الحقوق الشرعية والقانونية.

البند الخامس: تحرر هذا العقد من نسختين بيد كل طرف نسخة للعمل بها عند اللزوم لحين اتخاذ إجراأت توثيق هذا الزواج رسميا وطبقا لأحكام القانون الوضعي في (تسمى اسم الدولة التي أنشأ فيها عقد الزواج) وذلك بشهادة كل من:

1ـ السيد / ـــــــــــــــ 2ـ السيدة / ـــــــــــــــ
      (الطرف الأول ـ الزوج)       (الطرف الثاني ـ الزوجة)

     توقيع:ــــــــــــــ     توقيع: ــــــــــــــــ































الفصل الثالث

موقف القوانين الوضعية من الزواج العرفي.

وفيه مبحثان:


المبحث الأول: الزواج العرفي في قوانين الأحوال الشخصية في الدول العربية.

المبحث الثاني: تسجيل الزواج والطلاق في إسرائيل.




































المبحث الأول



الزواج العرفي في قوانين الأحوال الشخصية في الدول العربية.


























يرى العلماء المتأخرون والمتقدمون لزوم طاعة ولي الامر فيما يسنه من القوانين التي تترتب عليها مصالح الرعية، وان لهم ان يفرضوا عقوبة على من يخالف هذه القوانين التي جاءت لتحقيق مصالح العباد الدينية والدنيوية ولتنظيم سير المعاملات والعقود الجارية بينهم على اختلافها، يقول الشيخ علي الطنطاوي: "هذا الزواج بهذا المعنى زواج صحيح (العقد العرفي)، ولكن للحاكم أن يعاقب فاعله بنوع من العقوبات لأنه خالف أمرا أوجب الله طاعته. (الطنطاوي، علي، فتاوى الطنطاوي، جمعها ورتبها: مجاهد ديرانية، دار المنارة، ط 4، 1991، ص 186).

كل القوانين الأحوال الشخصية تلزم المقدم على الزواج أن يوثق العقد في الدائرة الرسمية المعنية، ولكن هذه القوانين تتفاوت فيما بينها الحكم على من يتزوج زواجا عرفيا غير موثق. (الأشقر، مستجدات فقهية في قضايا الزواج والطلاق، 145).

لقوانين الأحوال الشخصية أربعة اتجاهات في هذا الأمر (الأشقر، مستجدات فقهية في قضايا الزواج والطلاق، 145):

الأول: القوانين التي تلزم بتسجيل العقد غير ذكر عقوبة لهذه المخالفة.
الثاني: القوانين التي ترفض سماع الدعوى في الزواج العرفي المقدمه إلى المحاكم في حالة الإنكار.
الثالث: القوانين التي توجب عقوبة على مثل هذا النوع من الزواج، ويتفاوت مقدار العقوبة من قانون لآخر.
الرابع: القوانين التي لا تثبت هذه العقود وتعتبرها باطلة.

الاتجاه الأول: القانون الذي ألزم بتوثيق عقد الزواج في الدائرة الرسمية واكتفى في ذلك، ولم تترتب عقوبة على من لم يوثق عقده، وهذا الاتجاه يظهر في القانون المغربي الأحوال الشخصية، حيث نص في الفصل الثالث والأربعين على ان: "يسجل العقد بسجل الأنكحة لدى المحكمة وترسل نسخة منه إلى إدارة الحالة المدنية".

الاتجاه الثاني: القانون الذي رفض سماع دعوى الزوجية أو الإقرار بها، حتى تقدم وثيقة رسمية تثبت دعوى الزوجية. وهذا ما ذهب إليه القانون المصري للأحوال الشخصية في المادة ـ 99 من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية والمعدلة بالقانون رقم 78 لعام 1931، لكن ما نصه القانون ليس واردا على الزواج في ذاته وإنما قاصر على التقاضي في شأنه، وقد أفتت بذلك دار الإفتاء المصرية كالآتي: "ينعقد الزواج شرعا بين الطرفين (الزوج والزوجة بنفسها أو بوكيليهما أو وليهما بإيجاب من أحدهما من الآخر متى استوفى هذا العقد جميع شرائطه الشرعية المبسوطة في كتب الفقه، ويرتب على هذا العقد جميع الآثار والنتائج.


















المبحث الأول



الزواج العرفي في قوانين الأحوال الشخصية في الدول العربية.






























يرى العلماء المتأخرون والمتقدمون لزوم طاعة ولي فيما يسنه من القوانين التي تترتب عليها مصالح الرعية، وان لهم ان يفرضوا عقوبة على من يخالف هذه القوانين التي جاءت لتحقيق مصالح العباد الدينية والدنيوية ولتنظيم سير المعاملات والعقود الجارية بينهم على اختلافها، يقول الشيخ علي الطنطاوي: "هذا الزواج بهذا المعنى زواج صحيح (العقد العرفي)، ولكن للحاكم أن يعاقب فاعله ينوع من العقوبات لأنه خالف أمرا أوجب الله طاعته. (الطنطاوي، علي، فتاوى علي الطنطاوي، جمعها ورتبها: مجاهد ديرانية، دار المنارة، ط 4، 1991، ص 186).

كل القوانين الأحوال الشخصية تلزم المقدم على الزواج أن يوثق العقد في الدائرة الرسمية المعنية، ولكن هذه القوانين تتفاوت فيما بينها في الحكم على من يتزوج زواجا عرفيا غير موثق. (الأشقر، مستجدات فقهية في قضايا الزواج والطلاق، 145).

ولقوانين الأحوال الشخصية أربعة اتجاهات في هذا الأمر (الأشقر، مستجدات فقهية في قضايا الزواج والطلاق، 145):

الأول: القوانين التي تلزم بتسجيل العقد غير ذكر عقوبة لهذه المخالفة.
الثاني: القوانين التي ترفض سماع الدعوى في الزواج العرفي المقدمة إلى المحاكم في حالة قانون لآخر.
الثالث: القوانين التي توجب عقوبة على مثل هذا النوع من الزواج، ويتفاوت مقدار العقوبة من قانون لآخر.
الرابع: القوانين التي لا تثبت هذه العقود وتعتبرها باطلة.

الاتجاه الأول: القانون الذي ألزم بتوثيق عقد الزواج في الدائرة الرسمية واكتفى في ذلك، ولم تترتب عقوبة على من لم يوثق عقده، وهذا الاتجاه يظهر في القانون المغربي للأحوال الشخصية، حيث نص في الفصل الثالث والأربعين على أن: "يسجل العقد بسجل الأنكحة لدى المحكمة وترسل نسخة منه إلى إدارة الحالة المدنية".

الاتجاه الثاني: القانون الذي رفض سماع دعوى الزوجية أو الإقرار بها، حتى تقدم وثيقة رسمية تثبت دعوى الزوجية. وهذا ما ذهب إليه القانون المصري للأحوال الشخصية في المادة ـ 99 من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية والمعدلة بالقانون رقم 78 لعام 1931، لكن ما نصه القانون ليس واردا على الزواج في ذاته وإنما قاصر على التقاضي في شأنه، وقد أفتت بذلك دار الإفتاء المصرية كالآتي: "ينعقد الزواج شرعا بين الطرفين (الزوج والزوجة ينفشها أو بوكيليهما أو وليهما بإيجاب من أحدهما وقبول من الآخر متى استوفى  هذا العقد جميع شرائطة المبسوطة في كتب الفقه، ويرتب على هذا العقد جميع الآثار والنتائج، ويثبت لكل من الزوجين من قبل الآخر جميع الحقوق والواجبات دون توقف عن توثيق العقد رسميا، أو كتابته بورقة عرفية وهذا كله من الوجهة الشرعية، أما من الوجهة القانونية فإن المرسوم بقانون رقم 78 لسنة 1931 قد نص في الفقرة الرابعة من المادة 99 على أنه لا تسمع عند الإنكار دعوى الزوجية أو الإقرار بها إلا إذا كانت ثابتة بوثيقة رسمية في الحوادث الواقعة من أول أغسطس سنة 1931، وتقتضي ذلك أن القانون لم يشترط لصحة عقد الزواج، أن يكون بوثيقة رسمية، وإنما أشترط ذلك سماع الدعوى". (إبراهيم، هلال يوسف، أحكام الزواج العرفي، 55 / والبنا كمال صالح، الزواج العرفي ومنازعات البنوة، 6).

وقد نحى القانون الكويتي للأحوال الشخصية منحى القانون المصري، وقد جاء في المادة (93) من الفقة (أ): "لا تسمع عند الإنكار دعوى الزوجية، إلا إذا كانت ثابتة بوثيقة زواج رسمية، أو سبق الإنكار الإقرار بالزوجية في أوراق رسمية (الغندور، احمد، الأحوال الشخصية في التشريع الإسلامي، الكويت، مكتبة الفلاح، ط 3، 1985، ص 97).

الاتجاه الثالث: القانون الذي فرض عقوبة على الذي لا يسجل زواجه العرفي في وثيقة رسمية، ومن القوانين التي نحت هذا الاتجاه القانون الأردني للأحوال الشخصية، فقد جاء في نص الساعة عشرة منه ما يأتي:
أ‌. يجب على الخاطب مراجعة القاضي أو نائبه لإجراء العقد.
ب‌. يجري عقد زواج من مأذون القاضي بموجب وثيقة رسمية، وللقاضي بحكم وظيفته في الحالات الاستثنائية أن يتولى ذلك بنفسه بإذن من قاضي  القضاة.
ج. وإذا جرى الزواج بدون وثيقة رسمية فيعاقب كل من العاقد والزوجين والشهود بعقوبة المنصوص عليها في قانون العقوبات الأردني وبغرامة على كل منهم لا تزيد عن 100 دينار.
د. كل مأذون لا يسجل العقد بوثيقة رسمية بعد استيفاء الرسم يعاقب بالعقوبتين المسار إليهما في الفقرة السابقة مع اعزل من الوظيفة. (الأشقر، مستجدات فقهية في قضايا الزواج والطلاق، 147 أخذا من قانون الأحوال الشخصية الأردني).

ومن القوانين التي تحت منحى القانون الأردني قانون الأحوال الشخصية العراقي، فقد جاء في الفقرة الخامسة من المادة العاشرة منه ما نصه: "يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تزيد عن سنة او بغرامة لا تقل عن 300 دينار ولا تزيد على ألف دينار، كل رجل عقد زواجه خارج المحكمة، وتكون العقوبة الحبس مدة لا تقل عن 3 سنوات ولا تزيد على 5 سنوات، إذا عقد خارج المحكمة زواجا آخر مع قيام الزوجية".

الاتجاه الرابع: قانون الأحوال الشخصية التونسي الذي ينص في الفصل الرابع من الأحكام التي تتعلق بالزواج على أنه: "لا يثبت الزواج إلا بحجة رسمية يضبطها قانون خاص".

وهذا النص يخالف القانوني في القانون المصري والكويتي الذين ينصان على عدم سماع دعوى الزوجية، فالنص في القانون التونسي صريح في عدم ثبوت الزواج، وهذا يعني بطلان العقد في نظر المحاكم التونسية، وهذا النص بلا شك فيه مخالفة صريحة لأحكام الشريعة الإسلامية. (الأشقر، مستجدات فقهية في قضايا الزواج والطلاق، 148).























المبحث الثاني



تسجيل الزواج والطلاق في إسرائيل.
























هذا القانون يقضي بوضع أحكام لتسجيل الزواج والطلاق (23 أيلول سنة 1919).
مادة 1) يطلق على هذا القانون (تسجيل) الزواج والطلاق.
مادة 2) يكون للعبارة الواردة في هذا القانون المعنى المخصص لها أدناه إلا إذا دلت القرينة على غير ذلك.
تعني عبارة "مرجع التسجيل" فيما يتعلق بعقود الزواج المدني، الموظف القائم بمراسيم الزواج، وفيما يتعلق بزواج المسلمين مأذون الأنكحة، وفيما يتعلق بزواج المسيحيين القس أو الخوري، وفيما يتعلق بزواج اليهود الراب، وفيما يتعلق بزواج الدروز شيخ القبيلة.

مادة 3) يقتضي على مرجع التسجيل أن يسجل كل زواج لدى عقده وذلك بتدوين التفاصيل التالية في أربع نسخ يوقعها ويختمها بختمه.
أ‌) اسم الزوج والزوجة وسنهما وحرفتهما والطائفة التي ينتميان إليها ومكان إقامتهما.
ب‌) أسماء والديهما وحرفتهم ومكان إقامتهم.
ج) أسماء الشهود وحرفتهم.
د) تاريخ عقد الزواج ومكانه.

مادة 4) يقتضي على مرجع التسجيل فيما يتعلق بالنسخ الأربعة لشهادة تسجيل الزواج:
أ‌) أن يحفظ نسخة منها في السجل.
ب‌) أن يرسل نسخة منها لمكتب حاكم اللواء في آخر كل شهر.
ج) أن سلم نسخة للزوج وأخرى للزوجة لدى رسم قدره مائة مل.

مادة 5) تتبع الأصول في المادتين 3 و 4 فيما يتعلق بتسجيل الطلاق غير أنه طلاقه بطلب تدوين التفاصيل المطلوبة في الفقرة (ب) من المادة 3.

مادة 6) يجوز لأي شخص أن يحصل على نسخة من شهادة تسجيل زواجه أو طلاقه بطلب يقدمه إلى مكتل حاكم اللواء لدى دفعه رسما قدره خمسون ملا.

مادة 7) كل من تخلف عن تسجيل زواجه أو طلاقه يعتبر أنه ارتكب جرما ويعاقب بالعقوبة المعنية في ذيل المادة 99 من قانون الجزاء العثماني. (الناطور، مثقال، المرعي في القانون الشرعي، القدس، ط 2، 1417 هـ ء 1996م، ص 132 – 133).

وعليه، نجد أن جميع الاتجاهات القانونية في جميع الدول العربية وفي إسرائيل تتفق عللا وجوب تسجيل الزواج في الدائرة المعنية، والمخالف للقانون تترتب عليه عقوبة معينة تحددها قوانين الدوله والزواج  في اسرائيل  وخاصه لدى المسلمين  يجب توثيقه في عقد لدى المأذون الشرعي 
حتى يتسنى له رفع هذا العقد الى المحكمة الشرعية ومن ثم إلى الدوائر الرسمية المختلفة. والمخالف لهذا القانون يعد مرتكبا لجرم يستحق عقوبة وفق الاتجاه الثالث.


















الفصل الرابع

الآثار المترتبة على الزواج العرفي.

وفيه خمسة مباحث:


المبحث الأول: حكم النسب في الزواج العرفي.
المبحث الثاني: الطلاق في الزواج العرفي.
المبحث الثالث: الحقوق المتبادلة بين الزوجين في الزواج العرفي.
المبحث الرابع: الآثار الاجتماعية للزواج العرفي.
المبحث الخامس: كيفية الحد من انتشار الزواج العرفي.


































المبحث الأول



حكم النسب في الزواج العرفي.






















أن آثار الزواج بصفة عامة بالنسبة للحقوق والالتزامات التي يرتبها عقد الزواج بين الزوجين أو لأحدهما قبل الآخر نجد أنها نفس الحقوق والالتزامات التي يرتبها الزواج العرفي فيما لو استوفى الشروط والأركان الشرعية المعتبرة، وتظهر هذه الآثار على الوجه الآتي: (إبراهيم، هلال يوسف، أحكام الزواج العرفي، 75 – 79).

النسب يثبت بالزواج سواء كان رسميا أم عرفيا فهذا لا خلاف عليه، وبالتالي يخضع الزواج العرفي المستوفي للأركان والشرائط الشرعية لنفس قواعد الزواج الرسمي عند إثبات النسب، بمعنى أن النسب يثبت بثلاثة طرق: (الزواج الصحيح أو الفاسد والبينة والإقرار، وسنتطرق إليها لاحقا).

إن نسب الولد من أمه ثابت قي كل حالات الولادة شرعية أو غير شرعية، أما نسب الولد من أبيه، لا يثبت إلا من طريق الزواج الصحيح أو الفاسد، أو الوطء لشبهة، أو الإقرار بالنسب، وأبطل الإسلام ما كان في الجاهلية من إلحاق الأولاد عن طريق الزنا، فقال عليه الصرة والسلام: "الولد للفراش، وللعاهر الحجر" (متفق عليه من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه ء/ الصنعاني، سبل السلام، 3/1143)، ومعنى الحديث أن الولد يلحق الأب الذي له زوجية صحيحة، علما بأن الفراش هو المرأة في رأي الأكثر، وقد يعبر عن حالة الافتراش، وأما الزنا فلا يصلح سببا لإثبات النسب، وإنما يستحق الزاني الرحم أو الطرد بالحجارة.

وقد دل ظاهر الحديث السابق على أن الولد إنما يلحق الأب بعد ثبوت الفراش، وهو لا يثبت إلا بعد الوطء في الزواج الصحيح – وكان هذا متحققا في الزواج الصحيح – والزواج الفاسد. وهذا هو رأي الجمهور، وروي عن أبي حنيفة أنه يثبت بمجرد العقد لأن مجرد المظنة كافية، ورد بمنع حصولها بمجرد العقد، بل لا بد من إمكان الوطء. (الشوكاني، محمد بن علي، نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار شرح منتقى الأخبار، بيروت، دار الخير، ط 1، 1996. 6/279 وما بعدها. ابن رشد القطبي، أبو الوليد محمد ين احمد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، حققه: ماجد الحموي، بيروت، دار ابن حزم، ط 1، 1995، 2/352، والكاساني، بدائع الصنائع، 3/212، وابن الهمام، كمال الدين، فتح القرير شرح الهداية، 3/300).

أما طرق إثبات النسب فهي كالآتي: (الزحيلي، وهبة، الفقه الإسلامي وأدلته، 8/690).

الطريق الأول: الزواج الصحيح أو الفاسد:
إن الزواج الصحيح أو الفاسد لإثبات النسب، وطريق لثبوته في الواقع، فمتى ثبت الزواج ولو كان فاسدا، أو كان زواجا عرفيا، أي منعقدا بطريق عقد خاص دون تسجيل في سجلات الزواج الرسمية، ثبت كل ما تأتي به المرأة من أولاد.

الطريق الثاني: ألإقرار بالنسب أو ادعاء الولد:
الإقرار بالنسب نوعان:
1) ‘قرار نفس المقر.
2) إقرار محمول على غير المقر.

أما الإقرار بالنسب على نفس المقر فهو أن يقر الأب بالولد أو الابن بالوالد، كأن يقول: هذا ابني، أو هذا أبي، أو هذه أمي ويصح هذا الإقرار من الرجل ولو في مرض الموت.

أما الإقرار بنسب محمول على الغير، فهو الإقرار بما يتفرع عن أصل النسب، كأن يقر شخص فيقول: هذا أخي، أو هذا عمي، أو هذا جدي، أو هذا ابن ابني.

الطريق الثالث: البينة:
إن ثبوت النسب بالبينة أقوى من الإقرار، لأن البينة أقوى الأدلة ولأن النسب وإن ظهر بالإقرار ولكنه غير مؤكد، فاحتمل البطلان.

ونوع البينة التي يثبت بها النسب هي شهادة رجلين أو رجل وامرأتين عند أبي حنيفة ومحمد، وشهادة رجلين فقط عند المالكية، وجميع الورثة عند الشافعية والحنابلة وأبي يوسف.

والشهادة تكون بمعاينة المشهود به أو سماعه، فإذا رأى الشاهد أو سمعه ينفسه جاز له أن يشهد، وإذا لم يره أو يسمعه ينفيه، فلا يحل له أن يشهد لقوله صلى الله عليه وسلم لشاهد: "تري الشمس: قال: نعم، فقال: على مثلها فاشهد أو دع". ـأخرجه ابن عدي بإسناد ضعيف، وصححه الحاكم فأخطأ / الصنعاني، سبل السلام، 4/1481).








































المبحث الثاني



الطلاق في الزواج العرفي


























يحدث أحيانا أن يتفق الطرفان على الزواج العرفي وما يلبثان فيتفقا على إنهاء الزواج بالطلاق والطلاق يقع في مثل هذه الحالة، لكن المشكلة تظهر عندما يغيب الزوج أو يسافر فتنقطع أخباره، ولا تعلم الزوجة متى يعود؟؟

في هذه الحالة، إذا أرادت المرأة رفع دعوى إثبات الزواج من أجل التفريق، فإن التفريق في المحكمة لا يقع كون الزواج لم يوثق توثيقا رسميا مثبتا.

فهي في هذه الحالة في حيرة، إذ لا تستطع الزواج من آخر لأنها على ذمة الأول الغائب.

فقد رأى البعض أن للزوجة الحق في رفع دعوى إثبات طلاق سواء كان الزوج غائبا عنها لمدة طويلة أو انه فعلا طلقها، وذلك مع إنكار الزوج لواقعتي الزواج والطلاق.

ويقول المحامي هلال يوسف إبراهيم: "ونحن نتفق مع هذا الرأي لأنه يحل جميع المشاكل التي تترتب على الزواج العرفي وتتمكن الزوجة في هذه الحالة من الزواج بآخر حتى لا تنزلق إلى طريق الفساد وتحفظ عفتها".  (إبراهيم، هلال يوسف، أحكام الزواج العرفي، 103 – 104).








































المبحث الثالث


الحقوق المتبادلة بين الزوجين في الزواج العرفي


























الفرع الأول: العلاقات المالية بين الزوجين:

لا يترتب على الزواج اختلاط الحقوق المالية للزوجين بل تظل منفصلة ولكل منهما أمواله وممتلكاته الخاصة به.

أما بالنسبة للمهر فهو ليس ركنا من أركان الزواج فهو من حق المرأة فلها أحقية التصرف به كيفما شاءت طالما كانت رشيدة.

الفرع الثاني: الحقوق المشتركة بين الزوجين:

يترتب على الزواج الصحيح حقوق وواجبات مشتركة بين الزوجين منها:
1) حسي المعاشرة.
2) المعيشة المشتركة والمساكنة.
3) المخالطة الجسدية.
4) الميراث.

الفرع الثالث: حقوق الزوجة على زوجها: (النفقة)

تجب النفقة للزوجة على زوجها من تاريخ العقد الصحيح إذا سلمت نقسها إليه ولو حكما لو كانت موسرة أو مختلفة منه في الدين حكما، فلا يمنع مرض الزوجة من استحقاقها للنفقة، تشمل النفقة: الغذاء، الكسوة، مصاريف العلاج وغير ذلك بما قضى به الشرع.

الفرع الرابع: حقوق الزوج على زوجته (الطاعة):

إذا اعتبرنا أن العلاقة بين الزوجين تقوم على الوئام والمودة فلا يغير هذه العلاقة أن تكون الرئاسة لأكثرهما احتمالا وصبرا وبعد نظر وتعقل وهذا متوافر في الزوج، وجعل الرئاسة للزوج تستلزم أن يكون له عللا زوجته حق الطاعة وليس في هذا امتهانا لكرامتها او إحطاطا من شأنها، وليس معنى الطاعة أن تقتاد المرأة لكل رغبات الرجل المشروعة وغير المشروعة، لأن طاعة الزوجة واجبة في الحدود الشرعية.

المبحث الرابع: الآثار الاجتماعية للزواج العرفي:

كان من المفروض أن لا ينتج عن هذا العقد آثار سيئة لأنه وكما أسلفنا زواج شرعي، لا يختلف عن الزواج الذي كان يجري عليه العمل في ديار الإسلام، ولكن الواقع يدل على أنه أحدث آثارا سيئة ، ومرد هذه الآثار السيئة إلى أمرين:

الأول: الإشكالات القديمة التي صاحبت عقود الزواج التي لم تكن توثق، فكل واحد من الزوجين كان يمكنه أن ينتفي من الزوج الآخر، كما يستطيع أن ينفي الأولاد، وقد يموت الشهود، أو ينسون أو يتراجعون عن الشهادة، فلا يستطيع الزوج المطالب بإثبات الزوجية أن يثبت العقد بطريقة من طرائق الإثبات.

الثاني: السرية التي تصاحب عقد الزواج العرفي، فلأصل في الزواج الإعلان والإشهار، والأصل في الزواج العرفي الكتمان والإسرار، لأسباب أوردتها في الحالات التي دعت لإيجاده، والزواج في السر يضيع كثيرا من الحقوق، وخاصة حقوق الزوجة والأولاد، وقد لا تستطيع المرأة أن ترفع الأمر إلى القضاء، لأن القضاء يعاقب الذي يتزوج بهذه الطريقة، وقد يرفض القانون سماع الدعوى في القضايا التي تأتي من هذا النوع. (الأشقر، مستجدات فقهية في قضايا الزواج والطلاق، 150).
















































المبحث الخامس



كيفية الحد من انتشار الزواج العرفي




















يرى الباحثون إلى أن انتشار ظاهرة الزواج العرفي في الآونة الأخيرة يجب أن تواجه بالكثير من الإجراأت ومنها (مغاوري، الإسلام وبناء الأسرة، ص186):

1) تقوية الوازع الديني لدى الشباب وتنمية التربية الدينية في عقولهم وفي ذلك ضمانة أكيدة تحد من الظلم والفساد.
2) فرض غرامة ضخمة يدفعها المتزوج عرفيا لزوجته الأولى التي تضار (يقع عليها الضرر) من هذا الزواج.
3) تعديل القانون، وذلك بمنع إبرام عقود الزواج العرفي بين المواطنين، والنص على بطلان هذا العقد، وعدم الاعتداد بآثاره.

تعليق على ما ورد أعلاه:

بالنسبة للرأي الأول الخاص بفرض غرامة على الزوج – المتزوج عرفيا ء، فهي بمصاب قيد إضافي على الزواج، ونحن نعلم أن من أهم الأسباب والدوافع للزواج وانتشاره لبك القيود المفروضة على الزواج، فيكون الأخذ بهذا الرأي إضافة لقيد جديد إلى القيود السابقة، وهذا مما لا يساهم في الحد في انتشار الزواج العرفي.

أما بالنسبة للرأي الآخر الذي ينادي بإلغاء الزواج العرفي، فلا شك أنه مخالف للشريعة الإسلامية، ولم يقل أحد من أهل العلم ببطلان مثل هذا الزواج الذي اكتملت وشروطه. (الأشقر، مستجدات فقهية في قضايا الزواج والطلاق، ص 149).

لقد عالج الإسلام الفساد وحارب الرذيلة بإغلاق ابوابها اولا (علاج وقائي)، فعلى سبيل المثال: فان الشارع الحكيم قبل أن يحرم الزنى أغلق الأبواب المؤدية إليه، فحرم النظر إلى الأجنبية وحرم الخلوة بها، وأمر باللباس الشرعي ونهى عن الاختلاط ..، كذلك الأمر هنا، فإنه من أجل معالجة ظاهرة الزواج العرفي كان لابد من تسهيل أمور الزواج ومتطلباته والتي اثقلت كواهل الشباب مما دفعهم إلى الزواج العرفي، وإن إضافة القيود على هذا النوع من الزواج سوف تزيد من حالات الانحلال الخلقي وتدفع بالشاب إلى البحث عن أبواب أخرى لتحقيق غرائزهم. فنلاحظ أن مثل هذه القيود تساهم في تعقيد الأمور بدلا من حلها. 

ويبقى الحل الأمثل لمشكلة انتشار الزواج العرفي هو التوعية الدينية في صفوف الشباب والشابات وغيرهم لضمان عدم وقوعهم في المحظور الشرعي. (مغاوري، الإسلام وبناء الأسرة، ص 187).










الخاتمة

وبناء على ما تقدم، فان الزواج الذي يعقد سرا خال من الولي والشهود، فهو زواج باطل باتفاق أهل العلم وما يترتب عليه فهو باطل. وإن عقد بولي وشهود، وتواصى الجميع على كتمانه فهو باطل عند مالك، صحيح عند سائر الأئمة، وإن عقد بولي من غير شهود فهو باطل عند الأئمة كلهم، خلافا للإمام مالك الذي لم يشترط على العقد حضور الشهود مشترطا بدلا من ذلك الإعلان والإشهار، أما الشهادة عنده فهي واجبة قبل الدخول، وإن عقد الزواج بدون ولي فهو باطل عند الأئمة غير الإمام الشافعي.

يظهر لنا من خلال هذا البحث المتواضع، أن قضية الفتوى بحرمة الزواج العرفي لعدم توثيقه قانونيا يحتاج الأمر إلى نظر وتمعن، فهو زواج شرعي، وإن طفت عليه شيء من السرية.
يقول أسامة الأشقر: "وفي الاتجاه المقابل فإن من يذهب إلى القول بحرمة هذا الزواج، فهو قول يحتاج أيضا إلى بيان وتفصيل الأسباب المصاحبة التي أدت إلى القول بذلك، فلا نعتبر تحريمهم له بوصفه زواجا عرفيا حكما سليما. وعلى هذا ينقشع الكثير من الخلاف حول الزواج العرفي إذا تم التعامل وفق الفهم السابق والله أعلم".

ويضيف أيضا: "إن إصدار بعض الفتاوى التي تدعو إلى منع الزواج العرفي من منطلق الساسة الشرعية، وحق القاضي ومن يقوم مقامه، إصدار غرامات وعقوبات، كل ذلك لا بد أن يسبق بمجموعة من الإحصاأت واستبيانات لدراسة المصالح والمفاسد الناتجة عن الزواج العرفي، ومن ثم الموازنة بينها، عوضا عن قيام هذه الفتاوى على الإعلام الذي تغافل ولأسباب عديدة عن إيجابيات هذا الزواج، وركز بشكل كبير على الجانب السلبي منه". (الأشقر، مستجدات فقهية في قضايا الزواج والطلاق، 156 – 158).

خلاصة القول، أن عقد الزواج العرفي وإن كان صحيحا من الناحية الشرعية ويمنح كلا الزوجين حل العشرة، لكنه لا يملك في أيامنا قوة إثبات الحقوق بين الزوجين إن وقع النزاع والخلاف بينهما، كما لا يستطيع إثبات نسب الأبناء من آبائهم، ولا إثبات التوارث بينهم.... وبالتالي فإن هذا النوع من العقود ـ وإن قلنا بحل العشرة به ـ فإننا ننصح عدم اللجوء إليه في أيامنا لأنه قد يؤدي إلى عواقب وخيمة.














فهرس الآيات القرآنية

الرقم             الآيه السورة  رقم الآية   الصفحة
1
وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ البقرة  220     19
 2 فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ البقرة  229     19
 3 وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ البقرة   232     19
 4 وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ البقرة   282     18
 5 وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ الروم   21     1

















فهرس الأحاديث النبوية

الرقم                                            الحديث الصفحة
  1 ادرءوا الحدود بالشبهات   23
  2 أيما امرأة بغير إذن وليها، فنكاحها باطل فان دخل بها فلها بما استحل من فرجها، فان اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له   20
  3 ترى الشمس؟ قال: نعم، فقال: على مثلها فاسهد أودع   38
  4 لا نكاح إلا بولي وشاهدين 11، 18
  5 لا نكاح إلا بولي  19 
  6 الولد للفراش، وللعهر الحجر   37































المصادر والمراجع المعتمدة


1. إبراهيم، هلال يوسف، أحكام الزواج العرفي، الإسكندرية، دار المطبوعات الجامعية، 1995.

2. ابن تيمية، بقي الدين احمد، مجموع الفتاوى، تحقيق: عامر الجزار وآخرون، المنصورة، دار الوفاء، ط 1، 1997.

3. ابن جزي، محمد بن أحمد، القوانين الفقهية.

4. ابن رشد القرطبي، أبو الوليد محمد بن احمد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، حققه: ماجد الحموي، بيروت، دار ابن حزم، ط 1، 1995.

5. ابن عابدين، محمد أمين، حاشية رد المحتار على الدار المختار، مطبعة البابي الحلبي، ط 2، 1966.

6. ابن قدامة، موفق الدين أبو محمد عبد الله بن احمد، المغني، تحقيق: عبد الله تركي وآخرون، القاهرة، مطبعة هجر القاهرة، ط 1، 1989.

7. ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم، لسان العرب، بيروت، دار صادر، ط 1، 1990.

8. إبن الهمام، كمال الدين محمد بن عبد الواحد، شرح فتح القدير على الهداية، بيروت، دار الفكر، ط 2.

9. الأشقر، أسامة عمر سليمان، مستجدات فقهية في قضايا الزواج والطلاق، عمان، دار النفائس، ط 1، 2000.

10. بخيت، مغاوري السد أحمد، الإسلام وبناء الأسرة، 1418 هـ ـ 1998، دار النهضة العربية، القاهرة ـ مصر.

11. ألبنا، كما صالح، الزواج العرفي ومنازعات البنوة، القاهرة، دار الكتب القانونية، 2002.

12. البهوتي، منصور بن يونس بن إدريس، كشاف القناع عن متن الإقناع، تحقيق: محمد أمين الضناوي، بيروت، عالم الكتاب، ط 1، ج4. 1417 هـ ـ 1997م.

13. حسب الله، علي، الزواج في الشريعة الإسلامية، دمشق، دار الفكر العربي، ط 1، 1971.

14. خلاف، عبد الوهاب، علم أصول الفقه، بيروت، دار القلم، ط 12، 1978.

15. الخياط، عبد العزيز، نظرية العرف، عمان، مكتبة الأقصى.

16. الدردير، أبو البركات أحمد، الشرح الصغير على اقرب المسالك، حققه: كمال المرصفي، 1989.

17. الدسوقي، شمس الدين محمد عرفة، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير. القاهرة، مكتبة زهران.

18. ألزحيلي، وهبه، الفقه الإسلامي وأدلته، دمشق، دار الفكر، ط 3، 1989.

19. الزيلعي، فخر الدين عثمان بن علي، تبين الحقائق، تحقيق: أحمد عز وعناية، بيروت، دار الكتب العلمية، ط 1، ح2. 1420 هـ ـ 2000م.

20. الشربيني، محمد، مغني المحتاج إلى معرفة معاني المنهاج، القاهرة، مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، 1985.

21. الشريف، حامد عبد الحليم، الزواج العرفي، القاهرة، مكتبة الدار البيضاء.

22. شلتوت، محمود، الفتاوى دراسة لمشكلات المسلم المعاصر في حياته اليومية والعامة، ط 8، 1395 هـ ـ 1975م، دار الشروق، القاهرة ـ مصر.

23. الشوكاني، محمد بن علي، نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار شرح منتقى الأخبار، بيروت، دار الخير، ط 1، 1996.

24. الشيرازي، أبو إسحاق، المهذب في فقه الإمام الشافعي، دار القلم، دمشق، ط 1، 1417 هـ ـ 1996م.

25. الصنعاني، محمد بن إسماعيل، سبل السلام شرح بلوغ المرام، تحقيق: إبراهيم عصر، القاهرة، دار الحديث، ط 7، 1992.

26. الطنطاوي، علي، فتاوى علي الطنطاوي، جمعها ورتبها: مجاهد ديرانية، دار المنارة، ط 4، 1991.

27. عبدالهادي، أبو سريع محمد، زواج المتعة، دار الذهبية، القاهرة ـ مصر.

28. عقلة، محمد، نظام الأسرة في الإسلام، عمان، مكتبة الرسالة، ط 2، 1989.

29. العمراني، محمد الكدي، فقه الأسرة المسلمة في المهاجر، ط 1، 1422 هـ ـ 2001م، دار الكتب العلمية، بيروت ـ لبنان.

30. عمرو، عبد الفتاح، السياسة الشرعية في الأحوال الشخصية، عمان، دار النفائس، ط 1، 1996.
31. الغندور، احمد، الأحوال الشخصية في التشريع الإسلامي، الكويت، مكتبة الفلاح، ط 3، 1985.

32. الكاساني، علاء الدين بن أبي بكر بن مسعود، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، بيروت، دار الكتاب العربي، ط 2، 1982.

33. مجلة البحوث الفقهية، العدد 36، السنة 9، رجب / نوفمبر 1418 ـ 1997.

34. مخلوف، محمد حسنين، فتاوى شرعية وبحوث إسلامية، القاهرة، دار الاعتصام.

35. الناطور، مثقال، المرعي في القانون الشرعي. القدس، ط 2، 1417 هـ ـ 1996م.

36. النووي، شرف الدين، روضة الطالبين وعمدة المغنين، بيروت، المكتب الإسلامي، ط 3، 1991.